فصل في أن من حقّ التكليف أن يتقدّم وقت الفعل
اعلم أن المكلّف إنما يكلّف غيره إيجاد فعل أو اجتناب فعل ، وقد علمنا أن الفعل متى وجد فقد استحال من فاعله . إحداثه وإيجاده ؛ وقد بيّنا صحّة ذلك في باب الاستطاعة ، ولولا أنه كذلك لم يخرج الواجب أبدا من كونه واجبا عليه ؛ لأنه إن كان مع حصول وجوده وحدوثه يصحّ أن يكلّف إيجاده ويجب عليه ذلك لم ينته المكلف إلى حال يخرج الواجب [ من كونه « 1 » ] واجبا عليه ، وكذلك إذا حضر وقت الفعل فإنه لا يصحّ منه - تعالى - أن يوجبه ويكلّفه ؛ لأن إيجاد الفعل في حال عدمه يستحيل ، وفي الوقت الثاني لا يصحّ منه أن يوجد المقدور في الوقت الأوّل ؛ لأن أفعال العباد لا يصحّ عليها التقديم والتأخير .
ولذلك وجب أن يكون - تعالى - آمرا ومريدا من المكلف الفعل قبل / حال الفعل كما يجب أن يمكّنه من الفعل قبل حاله ، ويعرّفه حال الفعل قبل وقته .
ويبيّن ذلك أن الأمر لا يفيد إلّا أحد أمرين . إمّا أن يستدلّ به على حال الفعل ، فمتى وجد الفعل أو فات وقته لم يصحّ حصول هذه الفائدة ، أو يفيد كونه لطفا في المراد والمأمور ، وذلك لا يصحّ متى وجد أو تقضى وقته ؛ لأن اللطف هو ما يدعو إلى الفعل ويقتضي اختيار الفعل عند المعرفة بحاله ، فإذا لم يصحّ من المكلف إيجاد الفعل لم يكن لذلك معنى . فقد صحّ أن الأمر والإرادة يجب تقدّمهما الفعل لا محالة .
فإن قيل : أفتقولون : إن الإرادة لا يصحّ وجودها في حال الفعل ، أو تقولون :
إنها لا تحسن في تلك الحال فيجب تقدمها لكي تكون حكمة ؟ قيل له : إنه لا يمتنع منه - تعالى - أن يريد الفعل في حاله ؛ لأن الإرادة تتناول الشيء على طريق الحدوث
هامش
( 1 ) زيادة يقتضيها السياق .