تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
التكليف تفضّل فيجب أن يستحقّ ذلك بما ذكرناه . وهذه الطريقة واجبة في كل فعل فعله - سبحانه - ممّا يقتضي فعلا آخر لولاه لما حسن أو لم يحصل به الغرض في أنه لا بدّ من إثبات قبيح أو إخلال بواجب من جهته متى لم يفعل الفعل الثاني . وتقصّى ذلك يطول . وأمّا اعتراض السائل بما قاله شيخنا - رحمه اللّه - في بعض الإلهام فبعيد ، لأنه بيّن أن من وجب في عقله ما عليه فيه كلفة يوصف بأنه مكلّف على جهة السببية بالأمر والإرادة ، وهذا غير ممتنع عندنا . والكلام على الحقيقة لا على التوسّع ؛ ألا ترى أنه قد يقال : إنه - تعالى - قد أمر أهل العقول ورغّبهم على جهة المجاز ، فكذلك القول في التكليف . وهذه الجملة تبين حقيقة التكليف وأنه أخصّ من الأمر ؛ لأن الآمر قد يريد من غيره ما فيه مشقّة وخلافه ، ولا يفيد التكليف إلّا ما عليه فيه مشقّة . ولو أن بعض الناس تكلّم بلفظ الأمر ولم يعلم مريدا ولا غلب على الظنّ ذلك من حاله لم يعلم أنه مكلّف في الحقيقة . فالقدح في ذلك فيما قدّمناه لا يصحّ . ولو جاز التعلّق بذلك فيما بيناه في حقيقة التكليف لجاز أن يتعلّق به في / حقيقة الأمر ، فيقال : إن الآمر يكون آمرا بأن يفعل هذه الصيغة ، وإن لم يرد المأمور به . وقد بينا فساد ذلك من قبل . ولا ينكر أن يطلق لفظ التكليف في غير ما قدمنا ، إما على جهة التوسّع ، أو بالتعارف ؛ لأنه ربما مرّ في الكتب أن التكليف إنما يحسن لوقوعه على بعض الوجوه بالإرادة ، فيريدون بذلك غير الإرادة ويشيرون به إلى الصفات التي يختصّ المكلّف بها وربما قالوا : إن التكليف تمكين من المنافع ، ويريدون به سوى الإرادة ، وكل ذلك مجاز ، وحقيقته ما ذكرناه . فإذا صحّ ذلك فالواجب أن يبيّن أن هذه الإرادة والأمر الّذي يبنى عليها أو الدلالة التي تدل عليها لما ذا يحسن ، ونبيّن الشروط التي بتكاملها يحسن منه - تعالى - الإرادة .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 300 | القاضي عبد الجبار الهمذاني