أنه عالم لذاته ، ولا يصحّ كونه عالما بوجوب ما يجب عليه بتعريف غيره . والثاني أنه ممن تستحيل المشاقّ عليه .
قيل له : قد ثبت في الشاهد أن الواحد منّا قد يعلم أنه متى تكلّف الفعل انتفع غيره به ، ولا يوصف ذلك الغير بأنه مكلّف ، حتى إذا أراده وظهر لنا ذلك من حاله بأمر أو غيره وصف بأنه مكلّف ؛ ألا ترى أن العبد لو علم أن بسيّده عطشا فسقاه الماء لم يفعل له كلفة ، ولو أراد ذلك منه لوصف بذلك ، وعلمه بحال السيد في الحالتين لا يختلف . وذلك يبطل القول بأنه - تعالى - متى عرّف المكلف حال الفعل الّذي كلفه يوصف بأنه مكلّف ، وإن لم يرد ذلك ولم يأمر به . ولهذا قال الشيوخ - رحمهم اللّه - إنه - تعالى - لا يحسن منه أن يكلّف إلّا بعد إكمال العقل ونصب الأدلّة ، فجعلوهما من شروط حسن التكليف . وذلك يوجب أن التكليف غيرهما . ولذلك قلنا : إنه - تعالى - متى عرّف وأكمل سائر الشروط فيجب أن يكلّف . فلا بد إذا من أمر يشار إليه بعد التعريف ، ليصحّ أن يقال : إنه يجب عليه - تعالى - أن يفعله . فلذلك قلنا : إنه - تعالى - لو أكمل عقله وفعل سائر شروط التكليف له ثم لم يكلّفه كان التعريف والشهوة قبيحين أو الشهوة وحدها . ولا فرق - والحال ما قدّمناه - بين من قال : إن التكليف هو التعريف ، وبين من قال : إنه الإقدار والتمكين بالآلات وغيرها ؛ لأنه لا بدّ من حصول الكلّ حتى يلزم الفعل . فإذا بطل ذلك علم أن التكليف هو الإرادة ، على ما بينّاه . يبيّن ذلك أن التعريف بمنزلة التمكين في أنّ معه يصح منه الوصول إلى أداء ما كلّفه ، فيجب أن يكون كسائر ضروب التمكين في أنه لا يكون تكليفا ؛ وأن يكون التكليف ما يصحّ الفعل من المكلّف على الوجه الّذي كلّف مع عدمه ، ولا / يصحّ ذلك إلّا في الإرادة .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 298
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٩٨