تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 299

مساهمون:

ص٢٩٩
فأمّا ما ذكره السائل : من أنه قد يقال : إنه - تعالى - قد كلّف أهل العقول ، وإنه كلّف من جهة العقل ومن جهة السمع فإن ذلك لا يخالف ما قلناه ؛ لأن المراد بذلك أنه - تعالى - قد أراد منهم فعل ما عرّفهم وجوبه أو كونه ندبا أو دلّهم على ذلك ، ولا يمتنع أن يعلم من جهة العقل أنه قد أراد ذلك ، كما يعلم ذلك من جهة السمع . فلذلك يقال : إنه - تعالى - كلّف من الوجهين جميعا . ولسنا نقول : إنه - تعالى - موجب للفعل على الوجه الّذي نقول : إنه كلّف ؛ لأن المعنى فيهما يختلف ، من حيث لم يكن للإرادة تأثير في الإيجاب ، ولا هي بانفرادها تدلّ على ذلك ، فلذلك جعلنا معنى الإيجاب هو التعريف ؛ لأنه بمنزلة العلّة التي لها صار الفعل واجبا على المكلّف ، وليس كذلك حال التكليف ، ولذلك يوصف السيّد بأنه كلّف عبده إذا أراد منه فعل ما شقّ ، ولا يقال : أوجب الفعل عليه بهذا القدر حتى يفعل ما يقوم مقام التعريف لوجوبه . وإن كان شيخنا أبو هاشم - رحمه اللّه - قد أجراهما مجرى واحدا ، وقال : إن الموجب هو الآمر والمريد ، وإن كان إنما يوصف بذلك اتساعا ، كأنه - رحمه اللّه - يقول : إن حقيقة الموجب لا تصحّ في الإرادة ولا في التعريف ، وإنه يجب أن يفيد ما له صار الواجب واجبا ، كالتحريك الّذي يفيد ما به صار متحركا . وذلك يتعذّر ؛ لأن الواجب لم يكن واجبا على المكلّف لعلّة موجبة لذلك ، فإذا صحّ ما قاله فقد سقط ما سأل عنه السائل . وأمّا القديم - سبحانه - لو عرّف المكلّف الواجبات ألزمه الفعل إذا كانت الشروط / متكاملة ، وإن كان لا يوصف بأنه مكلّف ؛ لأنه لم يرد منه فعل ما عرّفه وجوبه . ولذلك - رحمه اللّه - قال : إنه - تعالى - إذا لم يرد الفعل ممّن هذا حاله يجب أن يكون بعض ما فعله قبيحا ، ويقوّى أن القبيح هو الشهوة والنفوذ دون العلم والدلالة . وإنما يحكم بقبح ذلك لأنه لا بدّ من إثبات ما يقتضي كونه مستحقّا للذم ، تعالى عن ذلك ، وإذا لم يجز أن يقال : إنه يستحقّ الذم من حيث لم يكلّف ؛ لأن
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 299 | القاضي عبد الجبار الهمذاني