تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 297

مساهمون:

ص٢٩٧
وأما كونه - تعالى - مكلّفا لأهل الجنّة الأكل والشرب من حيث أراد ذلك منهم ، على قول شيخنا أبى هاشم - رحمه اللّه - فغير واجب ؛ لأنه وإن أراد تلك الأفعال منهم فهي غير شاقّة ، بل هي ملذّة « 1 » سارّة . فإن قيل : هلّا قلتم : إن الإرادة إنما وصفت بذلك متى تعلّقت بفعل شاقّ من غير المريد ؛ لأن بها يعرف المكلّف حال المراد وأنه واجب أو ندب ، فمتى علم ذلك بغير الإرادة ، بأن عرّفه اللّه - تعالى - ذلك ضرورة ، أو دلّه عليه بدليل عقلىّ فيجب أن يكون مكلّفا ، وأن تكون الإرادة إنما وصفت بذلك لأنها تقتضى هذا المعنى ، فمتى حصل بغيرها لم يكن بها معتبر ؛ كما ذكرتموه في الأمر ، وما حكيتموه عن أبي هاشم - رحمه اللّه - في بعض الإلهام « 2 » يدلّ على ما قلناه . وعلى هذا الوجه يوصف - تعالى - بأنه كلّف من جهة العقل ، وأنه كلّف أهل العقول ، وإن لم تظهر لهم إرادته - سبحانه - لمّا عرّفهم ما كلّفهم باضطرار ، أو بنصب الأدلّة لهم على ذلك . وبعد ، فإن لم يكن التعريف تكليفا عندكم فيجب لو عرّف - تعالى - المكلّف الواجبات وأكمل سائر شروط التكليف فيه ألّا يكون مكلفا ، وفي بطلان ذلك دلالة على أنه لا معتبر بالإرادة في هذا الباب . وبعد ، فإذا كان - تعالى - موجبا على المكلّف الفعل بالتعريف فهلّا صحّ وصفه بأنه مكلّف له لمكان التعريف وإن لم يرد منه الفعل . على أنه إذا كان إنما يلزمه الفعل لعلمه بصفته لا لإرادة المريد منه ، ويجب عليه تكليف الفعل لذلك فهلّا صحّ بهذا أن التكليف هو التعريف دون غيره ، وإن كان « 3 » - تعالى - لا يوصف بأنه مكلّف لأمرين / أحدهما
هامش
( 1 ) كذا . ولم نقف في اللغة على ألذه : جعله يلتذ . ( 2 ) أي المبحث الّذي يتحدث فيه عن الإلهام ، ويبدو أنه باب في بعض كتبه . ( 3 ) لما كان القول بأن التكليف هو التعريف ورد عليه أن العبد قد يعرف اللّه سبحانه حاجته ويعلمه بها ، وهذا يدعو إلى جعل اللّه مكلفا - بفتح اللام - فأجاب بأنه سبحانه عالم بذاته لا بإعلام غيره إياه جلّ وعلا .