ولذلك لا يجوز وصف الواحد منّا بأنه مكلّف لنفسه ، ولا وصف الداعي والسائل بأنه مكلّف للقديم تعالى .
فإن قيل : أفتقولون : إن الواجب أن يكون المريد فوق المكلف في الرتبة ليصحّ أن يوصف بأنه مكلّف أم لا ؟
قيل له : قد بينّا أن الشاعر « 1 » قد أجرى هذا الوصف على الوجهين جميعا ، وبيّنا من قبل أن المطيع لا يمتنع أن يوصف بذلك ، كان دون المطاع أو فوقه ، وإن كان الأكثر في الاستعمال هو فيمن يكون دون المطاع ، فلا يمتنع على هذا الوجه أن يكون مكلّفا لمن فوقه ، ولمن هو دونه ، متى أراد منه الشاقّ من الأفعال ، وإن كان الأظهر في الاستعمال فيمن هو فوق المكلّف ؛ لأنه يقل استعمال ذلك فيمن يريد من الرؤساء والسادة الأفعال على جهة المسألة والرغبة إليهم .
فإن قيل : أفتصفونه بأنه مكلّف متى أراد ما وصفتموه على كل وجه يلزمه المكلّف ، أو لا يفترق الحال بين أن يكون ملزما أو غير ملزم ؟
قيل له : متى أراد ذلك منه وكان فوقه في الرتبة وصف بأنه مكلّف له ، لزمه ذلك الفعل « 2 » أم لا ، ، كما يوصف بأنه آمر له في الوجهين جميعا . ولذلك يوصف الواحد منا بأنه كلّف من يدعوه إلى بعض الأفعال ، وإن كان غير ملزم له . وإنما قلنا : إنه - سبحانه - لا يكلّف إلّا الواجب أو الندب ؛ لأن به تكليف غيرهما لا يصحّ لكن لأنه لا يحسن / منه - تعالى - أن يريد من المكلف سواهما ، على ما نبينه من بعد .
هامش
( 1 ) يريد جريرا في قوله في الحديث عن جاريته :
* تكلّفنى معيشة آل زيد * والمريد هنا دون المكلف في الرتبة ، فقد أجراه على وجه واحد ، ولكن لما كان الوجه الآخر - وهو أن يكون المراد أعلى من المكلف - هو الأصل ولا ينازع فيه فكأن الشاعر أجراه على الوجهين جميعا .
( 2 ) الأولى : أو .