فقد فسد بما قدّمناه آخرا ، وبأن أهل اللغة يصفون الآمر لغيره بفعل الشاقّ أنه مكلّف له ، وإن لم يعلموه مريدا أصلا .
قيل له : إن الأولى أن التكليف في الحقيقة هو إرادة ما على المكلف فيه مشقّة .
وإنما يذكر الأمر في هذا الباب لأن ما « 1 » به يعلم الإرادة في الأظهر . يبيّن ذلك أن السيّد يوصف بأنه مكلّف لعبده إذا أفهمه بالإشارة أنه يريد الفعل منه ، كما يوصف بذلك إذا أمره ولذلك يوصف من أمر الغير بفعل الشاقّ بسائر اللغات أنه مكلّف ، كما يوصف به إذا أمره بالعربية لمّا دلّ الكلّ على الإرادة . ولذلك لو هدّد غلامه بلفظ الأمر لم يقل بأنه كلّفه . وقد بيّنا من قبل أن المطيع إنما يوصف بذلك متى فعل ما أراده المطاع منه ، وأنه لا معتبر بوجود « 2 » لفظ الأمر من المطاع ، فيجب مثله في التكليف .
وقد كان الواجب على ما سلك شيخنا أبو هاشم - رحمه اللّه - في التحريك « 3 » والتسويد « 3 » أن يكون حقيقة التكليف هي ما به يصير المكلّف مكلّفا على وجه يؤثّر في المكلّف ، إلا أنه لما استحال ذلك وجب أن يصرف التكليف إلى أنه الإرادة متى وقعت على الوجه الّذي بينّاه / .
فإن قيل : أفتقولون : إنها « 4 » تكليف على كل حال ، أو تحصل تكليفا متى اختصّت ببعض الصفات ؟
قيل له : إنما توصف بذلك متى تناولت فعل الغير ، واختصّ ذلك الفعل بأنه ممّا يلحق بفعله الكلفة والمشقّة .
هامش
( 1 ) كأن ( ما ) زيادة في النسخ . أو الأصل : « لأنه ما به يعلم . . . » .
( 2 ) في الأصل : « بوجوب » .
( 3 ) كأن التحريك عنده : أن يجعل الشيء متحركا على وجه يؤثر في المتحرك ، والتسويد : جعل الشيء أسود على وجه يؤثر في الأسود .
( 4 ) أي الإرادة .