تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 294

مساهمون:

ص٢٩٤
كلفة ومشقّة والأمر به . وهذا ظاهر في الاستعمال ؛ لأن الواحد منّا إذا أراد من غيره ما هذا حاله وصف بأنه كلّفه ، ومتى أراد منه ما لا مشقّة فيه من أكل الطيّب لم يوصف بذلك . فإن قال : أليس قد يقول المدعوّ إلى الطعام للداعي . كلّفتنى ذلك فلا يمكنني [ الخروج « 1 » ] مما كلّفتنى ، وإن لم يرد منه فعل ما عليه فيه كلفة ، فكيف شرطتم في حقيقة التكليف أن يكون في المراد كلفة ومشقّة ؟ قيل له : إن غرضهم بهذا القول أن الداعي كلّف المجىء إلى داره ، وفي ذلك مشقّة . وربما يراد بذلك نفس الأكل إذا صعب على المدعوّ فعله للأنفة أو الأحوال في العاقبة . فأما استعمال ذلك في تناول النفع الّذي لا تشويه مضرّة ولا مشقّة فغير موجود وفي ذلك إسقاط ما سأل عنه . فإن قيل : أتجعلون الأمر والإرادة معا هو التكليف ، أو كلّ واحد منهما وإن انفرد ، أو الإرادة خاصة ؟ فإن قلتم : إنهما بمجموعهما التكليف فيجب إذا أعلم « 2 » الواحد منا إرادته لعبده أن يسقيه الماء بإشارة أو غيرها فلا يكون مكلّفا له [ والمتعارف « 1 » ] خلافه ويجب لو قال لعبده : أريد منك أن تفعل كيت وكيت وعليه في ذلك كلفة ألا يكون مكلّفا ، والمتعارف خلافه / . فإن قلتم : إن كلّ واحد منهما - بانفراده - تكليف ، فيجب لو خلا لفظ الأمر عن مقارنة الإرادة أن يكون فاعله مكلّفا ، وهذا يوجب كونه - تعالى - مكلّفا بقوله لإبليس :
« وَأَجْلِبْ
« 3 »
عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ »
وسائر ما هدّد به المكلف ؛ لأنه قد فعل صيغة الأمر ، ولأنه لو علم أحد بأمر بدا من غيره أن يفعل الفعل الشاقّ لم يوصف بأنه مكلف له حتى يأمره به . وإن كان التكليف الإرادة
هامش
( 1 ) زيادة يقتضيها السياق . ( 2 ) في الأصل : « علم » ( 3 ) الآية 64 من سورة الإسراء .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 294 | القاضي عبد الجبار الهمذاني