تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١
وأمّا قولهم : إذا كان - سبحانه - يريد بتكليف من يعلم أنه يكفر السلامة والفوز بالثواب والنجاة من العذاب ، وقد علم أنه يقدر أن يتفضّل عليهم بالثواب الدائم الّذي يعلم أنه يصل إليه فكيف يحسن أن يكلّفه وهو عالم بأنه يحرم نفسه الثواب ويوقعها في الهلاك ، فقد بينّا أن منزلة التفضّل دون منزلة الثواب ، وأن التفضّل كما يجوز أن يفعل فقد يجوز ألّا يفعل ، وأن الثواب لا بدّ من وقوعه ، وبينّا أنه يحسن منه - تعالى - أن يعرّض للمنزلة العظيمة بالفعل الّذي لا تنال إلّا به ، فإذا حسن ذلك منه فإنما أتى المكلّف من قبل نفسه [ و ] لم يخرج ما فعله من أن يكون إحسانا ونعمة ؛ كما نعلمه في الشاهد من تقديم الطعام إلى من لا يتناوله . وإذا جاز أن يتفضّل الواحد منا على من يعلم أنه لا ينتفع بما تفضّل به عليه فما الّذي يمنع من أن يحسن منه - تعالى - تعريض المكلّف للمنزلة السنيّة ، وإن كان لا يتعرّض لها . وأمّا قولهم : إنه - تعالى - مع علمه بأنه يكفر العبد إذا كلّفه لا يصحّ أن يعرّضه للمنافع ، ولا يصحّ أن يريد منه فعل الطاعة فقد بيّنا من قبل أن ذلك صحيح وأنه حسن في الحكمة ، وضربنا لذلك أمثالا / في الشاهد تشهد بصحّته فلا وجه لإعادته . وأمّا قولهم : إن هذا التكليف بمنزلة إدلاء الحبل إلى من يخنق نفسه ، وإعطاء الولد السيف مع العلم بأنه يقتل نفسه ، وتكليف الصوم مع العلم بأنه يترك الصلاة عنده إلى غير ذلك من نظائر هذه المسائل فقد بينّا من قبل الكلام فيها ومفارقتها لتكليف من يعلم أنه يكفر ، وأوضحنا القول فيه ، فلا وجه لإعادته . وإذا صحّ بهذه الجملة حسن تكليف من يعلم أنه يكفر ، وأن ذلك إحسان إليه ونعمة عليه ، بطل أن يتوصّل بذلك إلى نقض التوحيد ، أو إلى القول بالجبر ، أو إلى إبطال النبوّات من حيث جاءوا بتكليف من يعلم أنه يكفر وإنما تقوى هذه الشبه عند من تخفّ طريق الديانات على قلبه ، ويغلبه الميل والهوى والشهوة ، ويعتاد مفارقة
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 291 | القاضي عبد الجبار الهمذاني