تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 290

مساهمون:

ص٢٩٠
يكفر ويظلم ، وقد بينا من قبل أن التمكين على وجه التكليف لا يصحّ إلا بأن يكون المكلّف ممكّنا من الكفر والإيمان جميعا ، ومن الظلم والعدل جميعا ، ولو منعه الظلم لما صحّ أن يكلف أصلا ، وبيّنا أنه لو علم المكلف أنه متى رام القبيح من كفر وظلم وغيره لمنع منه لكان ملجأ إلى ألا يفعله ، ولخرج بذلك من كونه مكلّفا ، وبينا أنه لا يصحّ أن يعرّض - تعالى - المكلف للمنافع إلا مع التمكين على هذا الوجه ، وبسطنا القول فيه . وكلّ ذلك يسقط هذا السؤال . فأمّا قولهم : إذا ثبت قبح إهلاكه - تعالى - إيّاهم وتعذيبهم الأبد فيجب أن يقبح منه أن يجعلهم بالصفة التي يعلم أنهم يستحقّون بها الهلاك والعطب ، وقد بيّنا من قبل أنه إذا جعلهم بهذه الصفة التي معها يصحّ أن يستحقّوا العقاب ويصحّ أن يستحقّوا الثواب فقد صار ما جعلهم عليه من الصفات يصحّ بها التوصّل إلى النعيم الدائم ؛ كما يصح التوصّل إلى العذاب ، فيجب متى أراد المكلف تعريضهم للثواب العظيم أن يصير نفعا ويخرج من كونه ضررا . وضربنا لذلك في الشاهد أمثالا ، وبيّنا أن سبيل ما جعل عليه من يعلم أنه يكفر من الشروط سبيل من جعل عليه من يعلم أنه يؤمن . وكل ذلك يبطل تعلّقهم بهذا الكلام وأمثاله . وأمّا قولهم : إذا كان - تعالى - أحسن نظرا للعبد من أبيه له ، وكان المعلوم من حال والده أنه لا يستحسن / أمره بالشيء الّذي يعلم أنه لا يختاره ويختار الهلاك والعطب ، فيجب مثله في القديم - سبحانه - فقد بيّنا الفصل بين الوالد وغيره ، وذكرنا أن ما يلحقه من الغمّ بالضرر الّذي ينزل بولده يوجب مخالفة حكمه لحكم غيره ، وبيّنا الغرض بقولنا : إنه - تعالى - أحسن نظرا للعبد منه لنفسه ومن أبيه له ، وفصّلنا القول فيه فلا وجه لإعادته .