تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 27

مساهمون:

ص٢٧

الكلام في الأرزاق

فصل في بيان حقيقة الرزق وما يتّصل بذلك

اعلم أن الرزق لا بدّ من أن يكون مضافا أو في حكم المضاف ؛ لأنه لا بدّ من كونه رزقا للغير ، وهو في بابه كالملك ، فإذا أضيف إلى جملة العباد فالمراد به أن لهم أن ينتفعوا به من غير تخصيص . وعلى هذا الوجه يقال في الأمور المباحة كالماء والكلأ والصيد وما يتناول من البحر : إنه رزق للكل ، لأن أحدا لم يستبدّ به ، فمن سبق إليه صحّ منه الانتفاع به وحسن . وفارق حاله ما قد اختصّ به بعض العباد ، لأنه يحرم على الغير تناوله إلّا بإذن أو ما يجرى مجراه . ولهذا نقول : إنه تعالى خلق جميع الأشياء لمنافع الحىّ ؛ لأنه سوّغ للأحياء الانتفاع بها ، وإن كان فيها ما قد خصّ بعضا به ، وفيها ما عمّ . وذلك لا يخرجها من أن تكون مخلوقة لينتفعوا بها ، فتكون رزقا لهم من هذا الوجه . فأمّا إذا أضيف إلى من قيل : إنه رزق له من الأحياء ، فالمراد بذلك أنه ممّا يصح أن ينتفع به ، وليس لغيره منعه منه ، فما كان ذلك حاله وصف بأنه رزق له . وما خرج / عن هذه الصفة لم يوصف بذلك . وليس لأحد أن يقول : إن ذلك يوجب أن يكون للبهيمة رزق وإن كانت لا تعقل . وذلك لأنا نسوّى بينها وبين العاقل في أن ما يصح أن ينتفع به وليس للغير منعها منه فهو رزق لها ، ولا معتبر في كون الرزق رزقا لمن اختص به بأن يملكه ويختصّ به اختصاص المالك بملكه ؛ لأن ذلك يقتضي ثبات يده عليه على وجه له أن يتصرف فيه ، أو يحصل فائدة التصرف له ، وذلك لا يتأتى في البهيمة ، فلذلك لم نقل