فإن قيل : إنكم إذا لم تعتبروا في حسن الفعل بجنسه وصورته ، فكيف حكمتم بأن حسن أحد هذين التكليفين يوجب حسن / الآخر وهلّا جاز أن يختلفا في الحسن والقبح ، وإن استويا في الجنس والصورة ؟
قيل له : لم نعتبر فيما قدّمناه بالجنس والصورة ، لكنّا ذكرناهما ، وذكرنا الوجه الّذي وقعا عليه ، والوجه الّذي قصد الفاعل بهما إليه ، وكلّ فعلين استويا في هذه الوجوه وثبت حسن أحدهما وجب حسن الآخر ، إذا لم يتعلّق حسنهما وقبحهما بكونهما مصلحة في أمر غيره ، أو مفسدة في أمر سواه .
فإن قيل : هلّا قلتم : إن الموجب لحسن تكليف من يعلم أنه يؤمن هو اختياره للإيمان وانتفاعه بذلك ، فمتى اتّفق بالتكليف وقوع الإيمان حسن ، وليس كذلك حال التكليف للآخر .
قيل له : قد بيّنّا من قبل أن وقوع إيمانه لا يكون مقتضيا لحسن تكليفه ، وبيّنّا أن العلم بأنه يؤمن لا يكون وجها لحسنه ، وذلك يبطل ما سألت عنه ، ويبطل اعتبار الشاهد أيضا .
فإن قيل : هلّا قلتم : إن تكليف من يعلم أنه يكفر لم يقع على الوجه الّذي وقع عليه تكليف من يعلم أنه يؤمن ؛ من حيث كلّف وهو عالم بأنّ المكلّف يكفر ويستضرّ بالتكليف ولا ينتفع به . ويكون ذلك وجها لقبحه ، فلذلك فرقنا بين الأمرين .
قيل له : قد بيّنّا من قبل أن علمه - تعالى - بأنه يكفر لا يقتضي قبحه ، وأنه بمنزلة غلبة الظنّ في الشاهد . وتقصّينا القول فيه ؛ فلا وجه لإعادته .
فإن قيل : إن هذه الدلالة لا بدّ من أن ترجع إلى الدلالة التي اعتمدتم عليها من قبل ؛ وهو قولكم : إنه قد عرّضه لمنزلة عظيمة لا ينالها إلّا به ، مع انتفاء / وجوه القبح
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 266
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٦٦