تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 265

مساهمون:

ص٢٦٥

/ فصل « 1 » في ذكر أدلّة استدلّ بها في حسن تكليف من يعلم أنه يكفر وبيان ما يصحّ منها وما لا يصحّ

أحد ما استدلّ به شيوخنا - رحمهم اللّه - على ذلك :

أنّه - تعالى - قد فعل لمن يعلم أنه يكفر مثل ما فعله لمن يعلم أنه يؤمن : من أنواع التمكين والألطاف وغيرهما ؛ حتّى لم يدع شيئا لو فعله لآمن إلّا وقد فعله . فكما يجب القضاء بحسن أحدهما يجب مثله في الآخر ؛ لأن أحدهما قد وقع على الوجه الّذي وقع عليه الآخر فيما يرجع إليه ، وإلى قصد فاعله . يبيّن ذلك أنّ الواحد منا لو قدّم الطعام إلى جائعين ، وأدلى الحبل إلى غريقين ، وعرض الأموال والولايات على نفسين ، فانتفع أحدهما دون الآخر - وقد سوّى بينهما في التمكين والألطاف - كان محسنا إليهما ، وفاعلا لأمر حسن ، وإن اختلفا : فانتفع أحدهما ، وأساء الآخر إلى نفسه . فكذلك القول فيما قدّمناه من التكليف . وقد بيّنّا من قبل أنه - تعالى - قد عرّض المكلّف الّذي يعلم أنه يكفر لمثل ما عرّض له من يعلم أنه يؤمن ، وقصد بتكليفه ما قصد بتكليف الآخر . وذلك يبيّن صحّة ما قدّمناه : من أنه سوّى بينهما فيما فعله بهما . فإذا صحّ كونه محسنا إلى من يعلم أنه يؤمن ، فكذلك إلى من يعلم أنه يكفر .
هامش
( 1 ) من أصول المعتزلة أنه يجب على اللّه سبحانه ترك ما هو قبيح في العقل ، وقد أشكل على هذا الأصل تكليفه تعالى الكافر ؛ لأنه إضرار به من جهة أنه إلزام أفعال شاقة لا يترتب عليه نفع بل استحقاق عقاب دائم ، ولا خفاء في أن مثله يقبح ، بخلاف تكليف المؤمن حيث يترتب عليه منافع لا تحصى . والمؤلف يعنى بدفع هذا الإشكال ويطنب أيما إطناب لأنه إذا لم يدفع يهدم أصلا جليلا من أصولهم . ويدور دفعه على أن تكليف الكافر قصد به تعريضه للثواب بعد التمكين له وإيتائه أسباب القدرة . ويزيف السعد في شرح المقاصد ( 2 / 117 ) هذا الرد بقوله : « وكون تكليف الكافر لغرض التعريض والتمكين - أي جعله في معرض الثواب ومتمكنا من اكتسابه - إنما يحسن إذا لم يعلم قطعا أنه لا يكتسب الثواب ، وأن استحقاقه العقاب والوقوع في الهلاك الدائم كان منتفيا لولا هذا التكليف » .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 265 | القاضي عبد الجبار الهمذاني