على أن ما اتفقنا عليه من أنه يحسن تبقية التكليف على من يعلم أنه يكفر بعد إيمان يبطل ما اعتلّ به ؛ لأنه إن لم يدلّ ذلك على اقتطاعه عن الثواب والسلامة الحاصلين له لم يدلّ ما ذكروه على أنه أراد اقتطاع المكلّف عن السلامة والثواب اللذين يتوصل إليهما في السنة الثانية ومتى قال : إن تبقية التكليف عليه وإن كفر بعد إيمان إنما يحسن ؛ لأنه إنما يؤتى في إزالة الثواب المتقدم من قبل نفسه ، وليس كذلك حال من لم يكلفه في السنة الثانية ، لأنه يؤتى من قبل اللّه تعالى من حيث أزال عنه التكليف .
قيل له : إنه تعالى لو اخترم من يعلم أنه يكفر لكان يفوز بالثواب الّذي يستحقّه ، ولا يبطله . فمتى لم يخترمه / تعالى فإنما أتى من قبل اللّه ، ولم صار بأن يقال : إنه أتى من قبل نفسه من حيث كان يصح ألا يكفر أولى من أن يقال فيه أتى من قبله تعالى من حيث لم يخترمه ويزيل عنه التكليف .
وقد ألزمه شيخنا أبو هاشم رحمه اللّه القول بأن كل من قتل على كفر أو بعقوبة من رجم وقود يجب أن يعلم من حاله أنه لو بقي لم يتب ، وإن لم يجب ذلك في كل من قتله صلى اللّه عليه وسلم .
وقد قال شيخنا أبو علي رحمه اللّه : لو قتل عليه السلام الأسارى الذين منّ عليهم لكان تعالى سيحيى من علمنا أنه آمن منهم بعد المنّ عليه ، ويجعل إعادته له علما لنبيه صلى اللّه عليه وسلم .
فلا يمتنع على هذا أن نقول بمثله في سائر ما ألزمه ، فلا يحصل في هذا الإلزام إلا الاستبعاد ، لأن العلم بما سيكون من المكلّفين لو بقي التكليف عليهم طريقه الاستدلال فله أن يقول : إذا علمت بالدليل أنه تعالى يجب أن يكلف من قد استحقّ العقاب في الحال التي يعلم أنه يتوب فيها ، بنيت عليه حال كل من مات على الكفر أو قتل عليه ، وعلمت أنهم كانوا لا يتوبون أبدا .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 262
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٦٢