أخر أطاع واستحق ثوابا دونه فللقديم تعالى أن يكلّفه ما يعلم أنه يعصى فيه ؛ لما بيّناه من العلة .
فإن قيل : فما قولكم في الرجل إذا استصلح ولده في التعليم أيحسن منه أن يكلّفه التعليم ، ويرتاد له المعلم في الأيام التي يعلم أنه لو تعلّم فيها / لحصل له منافع كثيرة ، ولا يعامله بذلك في أيام يعلم أنه يتعلّم ويقصر منافعه عن هذا الحد .
قيل له : إن ما يفعله الوالد بولده من هذا الباب لا يكاد يخلص عن أن تشوبه إرادة وسروره ومنافعه . والمعلوم أنه يغتم بإنفاق المال عليه من غير أن يتعلّم . فلذلك لم يحسن أن يدبّره على الوجه الّذي سألت عنه ، وكان الأولى في تدبيره أن يعلمه وينفق عليه في الأيام التي يعلم أنه يتعلم ، وإن كانت منافعه في العاقبة أقلّ .
فإن قيل : فما قولكم فيمن المعلوم من حاله أنه إن كلّف طاعة يخفّ عليه فعلها يستحق قدرا من الثواب لكنه يعصى فيها ، وإن كلّف طاعات يعظم عليه المشقّة فيها ، لكنه يطيع فيها ويستحق فيها مثل ذلك الثواب أيحسن أن يكلّف الطاعة الخفيفة أم لا ؟
قيل له : لا يحسن ذلك ؛ لأنه لا معتبر بتفاضل الطاعات في المشقّة ؛ لأن ما يعظم مشقته منها قد علم أنه بالإضافة إلى ما يستحق به من الثواب العظيم يخفّ . فالمعتبر إذا بما قدمناه في هذا الباب .
فإن قيل : فيجب على هذا إذا كان المعلوم أنه إن كلّفه طاعة كان له فيها لطف أطاع فيها ، وإن كلفه أخرى مثلها في الثواب لم يكن له لطف وعصى فيها أنه يجب أن يكلف تعالى الطاعة التي فيها لطف .
قيل له : كذلك نقول . فأمّا إذا كانت الطاعة التي لا لطف فيها أعظم ثوابا لم يمتنع أن يكلّفه تعالى ؛ لما فيها من التعريض لمنزلة / لا ينالها إلّا بها . وعلى هذا الوجه يجب أن يرتّب ما قاله شيخنا أبو هاشم رحمه اللّه من تكليف الإيمان على أشقّ الوجهين لزيادة
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 246
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٤٦