تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 243

مساهمون:

ص٢٤٣
فإن قال : أرأيتم إذا كان المعلوم من حاله أنه إن كلّف أحد التكليفين أطاع في الأكثر ، وفعل في آخره ما يحبطه ، وإن كلّفه الآخر عصى في الأكثر وفعل في آخره ما يكفّر ، كيف قولكم فيه ؟ قيل له : إنّ توبة التائب وإن أزالت العقاب فإنه لا يستحقّ بها من الثواب ما كان يستحقه لو فعل الطاعات ، فلا يمكن فيما سألت عنه أن يقال : إنه في أحد التكليفين يصل إلى ما عرض له من الثواب من حيث يتوب آخرا ؛ لأن التوبة لا تقتضى استحقاق الثواب ما كان يستحقه لو أطاع في كلّ ما كلّف لكن الواجب فيما سألت عنه ، وإن كان حاله ما قلناه أن يكلّف ما المعلوم أنه ينتهى فيه إلى التوبة بعد التكليف الآخر ؛ لأنه وإن لم يصل إلى القدر الّذي عرض له ، فقد علم أنه يصل إلى بعضه ، وفي الوجه الآخر من التكليف لا يصل إلى بعض ولا كلّ . فكما يجب في أحد التكليفين إذا كان المعلوم أنه لا / يصل به إلى ما عرّض له أن يكون في حكم العبث ، وأن يكلّف ما يصل به إلى ما عرض له من قدر الثواب ، فكذلك القول فيه إذا كان يصل بأحدهما إلى بعض ما عرض له من الثواب . وهذا مثل أن يعلم أن من نقدم الطعام إليه يسدّ بعض جوعته إذا قدّمنا إليه طعاما مخصوصا ، ومتى قدمنا الطعام الآخر لم يأكل منه شيئا أن الواجب العدول إلى تقديم ما يسدّ به جوعته . فإن قيل : فيجب أن يقتصر في هذا المكلّف على أن يكلّف آخر الطاعات دون ما تقدّمها لأن المعلوم أنه إنما يستحق ثوابها فقط ، دون ما تقدم ، فتكليف المتقدم عبث على ما ذكرتم . قيل له : إنه إذا عرّض بكل التكليف لمنازل عظيمة حسن ذلك ؛ وإن كان إنما يطيع في بعضها ؛ لأنه إنما أتى من قبل نفسه في حرمان الباقي من الثواب . هذا لو صحّ أن ينفرد آخر الطاعات عمّا تقدمه . فأمّا إذا كان الكلام في التوبة أو غيرها ممّا يجوز أن
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 243 | القاضي عبد الجبار الهمذاني