والأوقات ؛ لأن الغرض تعريضه لذلك النفع . فكما أن عين الفعل غير معتبر ، فكذلك وقت التكليف غير معتبر . فمتى علم تعالى أنه إن كلّفه الطاعة بعد مائة سنة وصل بها إلى الغرض الّذي عرض له من الثواب ، فتكليفه « 1 » الآن ما يعلم أنه يعصى فيه ، ولا يصل به إلى ذلك الثواب واقتطاعه عن ذلك التكليف في / حكم العبث .
يبيّن ذلك أن الواحد منّا إذا كان غرضه في الجائع سدّ جوعته بالإطعام ، فمتى علم أنه إن قدّم إليه طعاما مخصوصا تناوله ، وحصل به الغرض ، وإن قدّم إليه غيره لم يحصل به الغرض بألّا يتناوله ، وجب قبح تقديم هذا إليه ؛ لأنه في حكم العبث ؛ لأنه قد علم أن غرضه سدّ جوعته فقط . فإذا أمكنه إيصاله إلى هذا الغرض بأمر يصل إليه به فما يعلم أنه لا يصل إليه به في حكم العبث . وكذلك لو علم أنه إن أدلى أحد الحبلين إلى الغريق نجا به ، وإن أدلى إليه الآخر لم ينج به ، وغرضه نجاته ، فإدلاء ما لا يؤثر في ذلك عبث . ولو علم أنه إن أدلى إليه الحبل في هذا اليوم لا يؤثر في اختياره نجاة نفسه ، وإن أدلى إليه في اليوم الثاني نجا لا محالة ، لم يكن لهذا الإدلاء المعجّل وجه إذا كان المدلى على ثقة من حصول النجاة بما يفعله من بعد . فأمّا إذا كان على وجل من ذلك لتجويزه أن يفوت التوصل إلى نجاته بما يفعله في اليوم الثاني لم يمتنع أن يحسن منه إدلاء الحبل إليه في هذا اليوم ، وإن غلب في ظنه أنه لا يتشبّث به .
فأمّا إذا كان غرضه تعالى إيصال المكلّف إلى قدر عظيم من الثواب لا يناله المكلف إلّا بما المعلوم أنه يعصى فيه كلّه أو بعضه ، فغير ممتنع أن يحسن تكليفه ذلك ؛ لأنه قد عرّضه به لما لا يناله إلّا بفعل ما كلفه . ولا يجب أن يقتصر به على ما يعلم أنه سيطيع فيه لا محالة . ومثال ذلك في الشاهد أنه يحسن من الواحد منّا إذا كان غرضه بالإطعام نفع غيره ، وعلم أن النفع الّذي يريده له لا يحصل / إلّا بتقديم طعام مخصوص
هامش
( 1 ) في الأصل : « وتكليف » .