تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 241

مساهمون:

ص٢٤١
لا يناله إلّا به أن يقدّم ذلك إليه دون الطعام الّذي قد ينتفع به انتفاعا دون هذا الّذي أراده به يبيّن ذلك أنه في هذا الوجه لا يمكن أن يقال : إنه تعالى بهذا التكليف عابث ؛ لأنه قد عرّضه به لمنافع لا ينالها إلّا بهذا التكليف . فكما يحسن الإيلام إذا اجتمع فيه التعويض والمصلحة ، فكذلك القول في هذا التكليف . وكما يحسن هذا التكليف إذا علم أن المكلّف يؤمن ، فكذلك يحسن وإن علم أنه يكفر . فإن قيل : إنكم بنيتم الكلام على أنه يحسن منه سبحانه أن يكلّفه إحدى الطاعتين دون الأخرى إذا تساوتا في قدر ما يستحقّ بهما من الثواب ، إذا كان المعلوم أنه يطيع فيها ، وكان الغرض أن يعرض لهذا القدر من الثواب ، وحكيتم مثل ذلك عن أبي هاشم رحمه اللّه ؛ وهذا ممتنع وجوده ؛ لأن الطاعتين إذا كانتا صلاحا له فلا بدّ من أن يكلّفهما جميعا ، إمّا على الجمع أو على التخيير ؛ كالكفّارات . فكأنكم مثّلتم هذا القول بما لا يصح وقوعه ولا كونه . قيل له : إنه وإن كان الأقرب في هذه الأفعال التي تخطر بقلبه وهو متمكّن منها أنها متى كانت صلاحا فلا بد من أن تبيّن له ، ومتى تساوت في الصلاح فكمثل « 1 » ؛ لئلا يعتقد الشيء على خلاف ما هو به ، ويستبيح ما هو واجب ، فغير ممتنع فيما لا يخطر له بالبال ، ولا يتمكّن من فعله - وحاله هذه - أن يكون في الصلاح يقوم مقام ما كلّفه . ولذلك لا يمتنع أن يقوم مقام الصلاة في المصلحة أمر آخر في الحائض . وكذلك في / الملائكة . وعلى هذا الوجه يختلف تكليف المكلّفين ، مع اتفاقهم في التكليف العقلىّ . فإذا صحّ ذلك لم يمتنع أن يعلم تعالى من حال العبد أنه إن كلّفه طاعة - وحاله حال الواحد منا - أطاع ، ولو كلّفه طاعة - وحاله حال الملائكة - أو طاعة لا تخطر له الآن بالبال لعصى فيها . ومتى صحّ ذلك فقد بيّنا أن ما جوّزناه له مثال صحيح في الوقت
هامش
( 1 ) أي فكذلك لا بدّ أن تبين له .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 241 | القاضي عبد الجبار الهمذاني