لا يناله إلّا به أن يقدّم ذلك إليه دون الطعام الّذي قد ينتفع به انتفاعا دون هذا الّذي أراده به يبيّن ذلك أنه في هذا الوجه لا يمكن أن يقال : إنه تعالى بهذا التكليف عابث ؛ لأنه قد عرّضه به لمنافع لا ينالها إلّا بهذا التكليف . فكما يحسن الإيلام إذا اجتمع فيه التعويض والمصلحة ، فكذلك القول في هذا التكليف . وكما يحسن هذا التكليف إذا علم أن المكلّف يؤمن ، فكذلك يحسن وإن علم أنه يكفر .
فإن قيل : إنكم بنيتم الكلام على أنه يحسن منه سبحانه أن يكلّفه إحدى الطاعتين دون الأخرى إذا تساوتا في قدر ما يستحقّ بهما من الثواب ، إذا كان المعلوم أنه يطيع فيها ، وكان الغرض أن يعرض لهذا القدر من الثواب ، وحكيتم مثل ذلك عن أبي هاشم رحمه اللّه ؛ وهذا ممتنع وجوده ؛ لأن الطاعتين إذا كانتا صلاحا له فلا بدّ من أن يكلّفهما جميعا ، إمّا على الجمع أو على التخيير ؛ كالكفّارات . فكأنكم مثّلتم هذا القول بما لا يصح وقوعه ولا كونه .
قيل له : إنه وإن كان الأقرب في هذه الأفعال التي تخطر بقلبه وهو متمكّن منها أنها متى كانت صلاحا فلا بد من أن تبيّن له ، ومتى تساوت في الصلاح فكمثل « 1 » ؛ لئلا يعتقد الشيء على خلاف ما هو به ، ويستبيح ما هو واجب ، فغير ممتنع فيما لا يخطر له بالبال ، ولا يتمكّن من فعله - وحاله هذه - أن يكون في الصلاح يقوم مقام ما كلّفه . ولذلك لا يمتنع أن يقوم مقام الصلاة في المصلحة أمر آخر في الحائض . وكذلك في / الملائكة . وعلى هذا الوجه يختلف تكليف المكلّفين ، مع اتفاقهم في التكليف العقلىّ . فإذا صحّ ذلك لم يمتنع أن يعلم تعالى من حال العبد أنه إن كلّفه طاعة - وحاله حال الواحد منا - أطاع ، ولو كلّفه طاعة - وحاله حال الملائكة - أو طاعة لا تخطر له الآن بالبال لعصى فيها . ومتى صحّ ذلك فقد بيّنا أن ما جوّزناه له مثال صحيح في الوقت
هامش
( 1 ) أي فكذلك لا بدّ أن تبين له .