وقد ذكر شيخنا أبو عبد اللّه رحمه اللّه أن الواجب على أصوله أن يعتبر كل مكلّف بنفسه . فإذا كان المعلوم من المكلف أنه لو أطاع فيما كلّف لانتفع به ، ووصل به إلى الثواب المستحق ، فيجب أن يحسن منه تعالى أن يكلفه ، كان المعلوم أنه يعصى فيه أو يطيع ولا يتعلّق حسن ذلك بتكليف آخر يعلم أنه يطيع فيه ، وسوّى في هذا الباب بين الوقت والأوقات ، والفعلين المثلين في قدر الثواب والمختلفين . ولم يحك عن شيخنا رحمه اللّه المسألة التي حكيناها أولا في العسكريات . وهي تخالف ما ذكره من هذا الأصل ، من حيث حكم بقبح تكليفه الطاعة التي يعصى فيها إذا كان المعلوم أنه إن كلّفه طاعة أخرى مساوية لها في قدر الثواب أطاع فيها . فالكلام مشتبه في هذا الباب على ما ترى .
فالذي أقوله في ذلك أنه تعالى متفضّل بالتكليف ، وإنما يكلّف المكلف لينفعه بالثواب الّذي يصحّ أن يصل إليه بفعل ما كلّفه . ولذلك قلنا إنه لو صحّ أن يصل إلى الثواب من دون التكليف لما حسن . وإنما يحسن / لأنه لا يصح للمكلف التوصّل إلى الثواب إلا به . فلو جاز التفضّل بالثواب نفسه لم يكن للتكليف وجه ؛ كما لا يحسن من الواحد منا إن يتعب نفسه أو غيره لمنفعة يتمكّن من الوصول إليها ابتداء . وعلى هذا الوجه يبنى القول بكون الآلام مصلحة ولطفا ، وإلا لم تحسن فإذا صحّ ذلك حسن منه تعالى أن يريد وصول المكلف إلى قدر من الثواب دون قدر ؛ كما يحسن منه ألّا يكلفه أصلا ، ويقتصر به على منزلة التفضّل .
ولو جاز أن يقال : إنه لا يجوز أن يقتصر به على التعريض لقدر من الثواب إذا أمكن أن يعرّض لأكثر منها ، لأدّى ذلك إلى أن يجب متى كلف أن يكلف أبدا ، وألا يكون للتكليف آخر ، ولجاز أن يقال بوجوب التكليف أصلا ؛ لأن ما عرّض له أرفع منزلة من درجة التفضّل . فإذا كان ذلك غير واجب لم يجب أيضا فيمن يصحّ أن يعرّض لمقادير عظيمة من الثواب ألّا يجوز أن يقتصر به على بعضها .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 238
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٣٨