لأنه لا يجوز أن يكون حال غيره في باب ما يقصد به إلى النفع أزيد من حاله . وقد بينّا من قبل / أن تكليف من يعلم أنه يكفر يفارق ما بيناه في الإطعام ؛ لأنه إذا أطعمه مع الظن بأنه مسموم لم يحصل معرّضا له للمنافع وليس كذلك التكليف ، لأنا قد بينا أنه تعريض لمنزلة عالية لا تنال إلا به ، فيجب القضاء بحسنه . فأمّا إذا ظنّ في الطعام أنه غير مسموم وهو مسموم في نفسه فإنما صار ضارا له ؛ لأن ما فعله لا يصلح أن ينتفع به المطعم .
وليس كذلك حال التكليف لأنا قد بينّا أنه يصح أن ينتفع به ، كما يصح أن يستضر به ، وإن المكلف إذا فعل به ما يجرى مجرى البعث على النفع ، والصارف عن الضرر فيجب كونه نافعا له .
وقد بينا من قبل أنه لا يمتنع إذا ظنّ في الطعام أنه مسموم وهو في نفسه غير مسموم أن يقال : إنه يحسن منه الإطعام إذا لم يكن هناك قصد ؛ لأنه يصير ملجئا له إلى الأكل ، وذلك مما ينفعه لا محالة وبينا مفارقة التكليف له في هذا الوجه ؛ ودللنا على أن التكليف يجب أن يكون بمنزلة تقديم الطعام إلى المختار ، مع العلم بأنه يترك الأكل ويستضرّ بذلك في أنه يحسن ، وإن علم أن المكلّف يضر نفسه لسوء اختياره .
فإن قيل : أليس من قولكم أن الإيمان يجب على المكلف ويحسن منه ، وإن علم أنه لا نفع له فيه ، وقد قال بذلك شيخكم أبو هاشم رحمه اللّه في كتاب العوض وغيره .
فيجب أن يحسن منه تعالى تكليفه الإيمان وإن لم يعرّضه به لمنفعة .
قيل له : إن وجوب الشيء منفصل من إيجاب الموجب له . فلا يمتنع حسن أحدهما وقبح الآخر . ولذلك يجب على من هدّد بالقتل إن لم يبذل بعض ماله أن يبذله ، ويحرم على / من روّعه أخذ ذلك منه . ويكون إيجابه ذلك عليه بالترويع قبيحا . فإذا صحّ ذلك لم يمتنع كون الإيمان حسنا لاختصاصه بالوجه الّذي له يحسن وواجبا لحصول جهة الوجوب
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 236
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٣٦