تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 235

مساهمون:

ص٢٣٥
ذكر أنه وإن كان نافعا له ففعله قبيح . وليس يمتنع في المنافع أن تكون قبيحة ؛ ألا ترى أن إثابة من لا يستحقّ الثواب يكون قبيحا ، وإيثار الغير بالطعام مع شدّة الحاجة إليه يقبح ، وإن كان الفاعل نافعا لغيره . وإنما جعله نافعا للغير وإن كان فعله قبيحا ؛ لأن ما فعله نفع محض لا يلحق المفعول به ضرر في عاجل ولا آجل . فكما أنه لو ظن في شيء / يأكله أنه يضرّه وهو في نفسه غير ضارّ لم يخرج من كونه منتفعا وإن كان فعله قبيحا ، فكذلك القول في إطعام الغير . فأمّا إذا ظن في طعام مسموم أنه الّذي لم يسمّه فأطعمه غيره ، فإنما قال رحمه اللّه : إن إطعامه حسن ؛ لأن هذا الباب مما يعتبر فيه الظنّ . فإذا فقد أمارة كونه مسموما والأصل « 1 » في الطعام أنه غير مسموم ، صار ذلك في حكم الأمارة المقتضية لحسنه ؛ لأنه لا وجه يعلم به حسن الإطعام إلا أن يعلمه غير مسموم ، أو يظنّه ، أو يجرى فيه على الأصل فيكون في حكم غالب ظنّ حدث فيه . وما قاله في العسكريات : من أن هذا المطعم وإن قصد نفعه فإنه غير خارج من كونه ضارا له صحيح . ولا يمتنع أن يكون فعله الإطعام حسنا ، وإن كان ضررا بالمطعم ، كما لا يمتنع أن يكون مضرّا بنفسه فيما يتناوله ، مع غلبة الظن أنه ينفعه وإن كان فعله حسنا . فإن قيل : فيجب على هذا أن تقولوا في الخارجىّ إذا غلب على ظنّه أن دعاءه غيره إلى مذهبه نافع له ، أن يحسن منه هذا الدعاء ، وإن كان مضرّا به . قيل له : إن الإطعام إنما قضينا بحسنه ، وإن كان مسموما إذا ظنّه غير مسموم ؛ لأنه غير متمكّن من العلم بأنه مسموم ، فلا بدّ من أن يعمل فيه على غالب الظنّ . وليس كذلك حال الخارجىّ ؛ لأنه متمكّن من العلم بأنه مخطئ فيما يعتقده ، فكما يلزمه العدول عن مذهبه لتمكّنه من طريق العلم ، فكذلك يلزمه ألا يدعو غيره إليه . وليس كذلك الإطعام الّذي ذكرناه ؛ لأنه كما يحسن منه أن يتناوله ، فكذلك يحسن منه إطعام غيره ؛
هامش
( 1 ) في الأصل : « فالأصل » .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 235 | القاضي عبد الجبار الهمذاني