الكفر الّذي يقع عند دفع الدرهم لا يفي ضرره بما تعرض بإعطاء الدرهم من النفع وليس كذلك سبيل السيف . والأقرب أنهما لا يختلفان على قوله . وإنما قال ذلك في الدرهم ؛ لأنه يختار الكفر عنده على وجه لولاه كان لا يختار ، فقد حصل فيه مفسدة على كل حال .
فأمّا إذا كان قد مكّنه بدفعه من أمر يكفر به فالقول فيه كالقول في السيف . وقد ذكر شيخنا أبو علي رحمه اللّه في دفع السيف ما قدمناه . وقال : يقبح في هذا الوقت أن ندفع إلى غيرنا سيفا ليقاتل به ، مع علمنا أو غلبة ظننا أنه يقتل به نفسه ، ولا يقاتل به من طريق السمع للمفسدة ، لا من جهة العقل .
واعلم أن القول في دفع السيف إلى الغير أو الدرهم أو غير ذلك يجب أن يجرى على ما قدّمناه في إدلاء الحبل إلى من المعلوم أنه يخنق به نفسه ، وإن / كان ما يفعل عنده من القبيح به تمكّن منه ، ولولا ه لم يتمكّن ، وكان بدفعه السيف إليه قد مكّنه من ذلك وعرّضه لمنافع عظيمة . فيجب أن يحسن دفعه إليه ، إلا أن يلحقه بذلك غمّ فيقبح منه ذلك . فأمّا إن كان ما يختار عنده من القتل كان مقدورا له من قبل ، وتركه مقدورا ، وعلم أن عند إعطاء السيف أو الدرهم يقتل نفسه ، وكان يختار هذا الفساد دون الصلاح الّذي هو قادر عليه ، فيجب أن يكون من حيّز المفسدة وأن يقضى بقبحه . فعلى هذا يجب أن يجرى هذا الباب .
وإنما قالا - رحمهما اللّه - في دفع السيف إلى من المعلوم أنه يقتل نفسه : إن ذلك يحسن لأنه تمكين من قتل نفسه ، كما أنه تمكين من الجهاد ، فإذا قتل به نفسه لم يجب قبح هذا الدفع ؛ لأنه ليس بمفسدة . فهذا هو الأولى أن يكونا رحمهما اللّه أراداه وهو مستقيم على مذهبهما .
وقد قال رحمه اللّه في جواب البخارىّ : إذا أطعم زيد غيره طعاما طيّبا فهو منعم
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 233
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٣٣