وإنما لم يوجب شيخنا أبو هاشم رحمه اللّه تبقية الكافر ، وإن علم أنه يؤمن ؛ لأنه لا يجوز أن يكون لطفا فيما تقدم ، ولا فيما يستأنف ، لأنه تمكين فعل من بعد الإيمان ، والتمكين لا يكون لطفا . فيجب أن يكون تعالى متفضّلا بهذا التكليف الزائد . ونحن نبيّن في باب اللطف القول في أن ذلك لا يصحّ كونه لطفا ، وأنه يحسن أن يخترم من يعلم أنه يموت .
فأمّا ما تعلق به شيخنا أبو علي رحمه اللّه : من أن اخترام هذا المكلّف لو حسن لحسن منه تعالى أن يجرى تدبير المكلف على أن يكلّفه في كل يوم يعلم أنه يعصى فيه ، ويخترمه في كل يوم يعلم أنه يطيع فيه ، فإن ذلك إن لم يدلّ على أنه لا يريد سلامته ، ولم يكن مستفسدا له به ، فليس في العالم استفساد . فقد ذكر شيخنا أبو عبد اللّه أن شيخنا أبا هاشم رحمهما اللّه لم يذكر جواب هذا الكلام . وقال : يجب على أصله أن يحسن منه تعالى ذلك ؛ لأنه إذا جوّز أن يكلّفه مدة يعلم أنه يكفر فيها ، ويخترمه ، وإن علم أنه لو بقّاه بعدها لآمن ، فيجب أن يحسن مثل ذلك في أوقات مختلفة ، حتى يكلّفه أوقاتا يعلم أنه يكفر فيها ويخترمه في الأوقات التي يعلم أنه يؤمن فيها ؛ لأنه لا فرق بين الوقت الواحد ، والأوقات الكثيرة في هذا الباب ؛ لأن العلة / في الكل واحدة ؛ ألا ترى أنه قد اعتل رحمه اللّه بأن التبقية والتكليف الثاني لا يكون لطفا فيما تقدم ولا فيما يستقبل ، فيقال : إنه يجب أن يفعله تعالى . وإذا بطل ذلك فيجب أن يكون تفضّلا . وللّه تعالى أن يبقى التكليف عليه وإن علم أنه يؤمن ، وله أن يخترمه . وهذه العلة موجودة في الأوقات الكثيرة .
وقال رحمه اللّه : ويصحّ أن يقال : إن إدامة التكليف على هذا الوجه تدلّ على أنه لم يرد صلاحه ، وإن كان متى لم يدم لم يدلّ على ذلك ؛ لأن الأفعال بكثرتها قد تدلّ على ما لا يدلّ القليل منها ؛ كالأفعال المحكمة ، وكاتّفاق الصدق في الأخبار الكثيرة ؛
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 231
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٣١