فيها ، وإن كلفه مثلها في قدر الثواب مع مخالفتها لها في الجنس أطاع فيها لم يحسن أن يكلّفه التي يعصى فيها ويجوز أن يكلفه كليهما ، ويجوز أن يكلّفه طاعة أخرى أعظم ثوابا منها وإن علم أنه يعصى فيها . وهذا بيّن على طريقته ؛ لأنه يجوّز أن يكلّف الإيمان على الوجه الأشقّ ، مع العلم بأنه يكفر ، وإن كان لو كلّفه على الوجه الّذي هو دونه لكان له لطفا يؤمن عنده ، فكذلك يجب أن يحسن منه تعالى أن يكلّفه الطاعة / التي يعصى فيها إذا كان ثوابها أعظم ، دون التي يطيع فيها إذا كان ثوابها أقلّ ، وأن يجوز أن يجمع بين تكليف طاعتين يعلم أنه يعصى فيهما أو يعصى في إحداهما ، ولا يقتصر به على تكليف إحداهما ، وإن علم أنه يطيع فيها ؛ لأنه يحسن منه أن يعرّضه لأعلى المنزلتين وإن علم أنه يكفر ، كما يحسن منه أن يبتدئه بالتكليف وإن علم أنه يكفر .
وكما لا يجب قبح التكليف مع العلم بأنه يكفر لصحّة التفضّل عليه ، فكذلك لا يجوز أن يقال : يقبح تكليفه كلا « 1 » الطاعتين مع ما فيهما من التعريض لزيادة الثواب ، من حيث صحّ أن يقتصر به على الطاعة التي يطيع فيها . فأمّا إذا تساوت الطاعتان في قدر الثواب فإنما لم يحسن أن يكلّفه التي يعصى فيها ؛ لأن الغرض تعريضه لمنزلة في الثواب ، ويصحّ أن يعرض لها بما يصل به إليها . فلا وجه لأن يعرّض لهذه المنزلة بما لا يصل به إليها ، فيصير تكليف ما يعلم أنه يعصى فيه في حكم العبث فلذلك حكم بقبحه .
وقال رحمه اللّه في بعض الأبواب « 2 » وغيره : يحسن منه تعالى تكليف من يعلم أنه يكفر عند دعاء الشيطان إلى باب الكفر ، ولولاه لم يكفر ، إذا علم أن إيمانه عند دعائه أشقّ ، والثواب فيه أزيد ، ويصير دعاؤه بمنزلة زيادة الشهوة في فعل القبيح .
هامش
( 1 ) كذا في الأصل . والمناسب : « كلتا » وكأنه أول الطاعتين بالواجبين .
( 2 ) هو كتاب لأبى هاشم .