فإن قال : إن علمه تعالى بأنه يكفر يمنعه من الإيمان .
قيل له : قد بينّا من قبل أن علمه تعالى يتعلّق بالشيء على ما هو به ، فلا يصحّ أن يكون موجبا للمعلوم ولا مانعا من القدرة على خلافه . وأوضحنا القول في ذلك من قبل ، فلا وجه لإعادته ولا فرق بين هذا القول وبين من قال : إنه يحسن منه تعالى أن يعاقب من يعلم أنه يكفر ، لأنه قد علم أنه يعاقبه ، فيجعل علمه بأنه سيفعل مقتضيا لحسنه ، كما جعل هذا السائل العلم بأنه يكفر مقتضيا لقبحه ، ومن قال لا يحسن منه تعالى أن يعاقبه ويلومه على كفره / لأنه قد علم أنه يفعله [ ومن قال « 1 » ، يحسن أن يعاقبه ] فيجب ألا يحسن لومه تعالى على عقابه لأنه قد علم أنه سيعاقبه . وقد بسطنا القول في فساد التعلّق بالعلم في باب البدل فلا وجه لإعادته .
وقد قال شيخنا أبو هاشم رحمه اللّه : إنه يحسن أن يبعث تعالى الرسل إلى من يعلم أنه إن أمره بتصديقه حاربه وعانده ، لأن ذلك تمكين . وقال في موضع آخر : يحسن منه بعثة الأنبياء إلى من يعلم أنهم يزدادون كفرا بقتلهم وقتل أصحابهم . وهذا بيّن متى كان بعثتهم إليهم تمكينا من المحاربة وتركها ، والردّ عليهم وتركه ، وقتلهم وتركه .
فأمّا إن وقع القتل والمحاربة منهم بعد البعثة على الوجه الّذي يصحّ وقوعه من قبل ، وعلم تعالى أنهم عند البعثة يختارون القبيح ولولاها لم يختاروا ذلك فيجب كون بعثته إليهم مفسدة . وإنما أراد رحمه اللّه بما تقدم أن تكون محاربتهم له على سبيل القصد إلى تكذيبه من حيث كان نبيّا وكذلك قتلهم إياه . وهذا بمنزلة تكذيبه والردّ عليه من حيث كان نبيا في أن بعثته تمكين في ذلك .
وقال رحمه اللّه في العسكريات « 2 » : إذا علم تعالى إنه إذا كلّف المكلّف طاعة عصى
هامش
( 1 ) زيادة اقتضاها المقام .
( 2 ) اسم كتاب لأبى هاشم ، كما في فهرست ابن النديم 247 .