المضرة لا محالة . ويفارق ذلك أن يكلف سبحانه زيادة تكليف مع العلم بأنه كان يؤمن فيما تقدم ، ويستحق الثواب ، وأنه يكفر في الزيادة ويستحق العقاب ؛ لأن ذلك تعريض لمنزلة زائدة كان لا ينالها لولا التكليف الزائد . وليس كذلك حال الإدلاء في باب السلامة من الخنق والقتل ؛ لأنه لا يتحصّل به زيادة سلامة لولاه كان لا يحصل .
فإن قيل : خبّرونا لو علم تعالى من حال العبد أن تركه قتل نفسه بالحبل خاصة لطف ومصلحة ، وأنه يقتضي زيادة ثواب ، أتقولون : إنه يحسن منه تعالى أن يمكّنه من ذلك بإدلاء الحبل إليه ، وإن كان المعلوم أنه يخنق نفسه .
قيل له : يجب إذا كان الحال ما ذكرته أن يحسن منه سبحانه ذلك ؛ لأنه تمكين من الصلاح وليس بمفسدة ؛ إلّا أن يكون مفسدة في أمر آخر قد كلّفه ، أو كلّف تركه مع تقديم التمكين فيجب كونه قبيحا . وقد قال شيخنا أبو هاشم رحمه اللّه : إنه يحسن منه تعالى أن يبعث الرسول إلى من المعلوم أنه يحاربه ويردّ عليه ويقتله ، إذا كان ذلك الحرب والقتل ممّا لا يتمكّن منه إلّا / ببعثته . فأمّا إن كان يتمكّن منه من دون البعثة على الوجه الّذي يختاره فإنه يقبح . فعلى هذا القول يجب أن يجرى القول فيما قدمناه .
فأمّا الوالد فإنما يقبح منه إعطاء ولده السيف مع العلم بأنه يقتل نفسه ؛ لأنه يغتمّ بذلك غمّا لا يؤدّى إلى منفعة ، ولذلك قبح ولو لم يغتمّ بذلك لحسن ؛ لأنه لو علم أنه إذا بعثه إلى الجهاد ومكّنه من المجاهدة أنه يقدم على ما يقتل عنده ، ويستحقّ الثواب العظيم ولا غمّ عليه كان يحسن منه ، فكذلك يجب أن يحسن منه أن يمكّنه من ذلك وإن علم أنه يختار القبيح .
وإنما قلنا : إنه تعالى يلطف للمكلّف لا محالة ؛ لأنه لو لم يلطف له لكان في المعصية التي لو لطف له كان لا يفعلها كأنه قد أتى من قبل اللّه سبحانه وليس كذلك حال التكليف مع العلم بأنه يكفر ؛ لأنه لم يؤت في كفره من قبله ، بل أتى فيه من سوء
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 224
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٢٤