ما قدّمنا القول فيه . وعلى هذا الوجه يفصل بين الأمور التي ينتفى الواجب عندها « 1 » ؛ فيحكم في بعضها أنه قبيح إذا كان مفسدة في الواجب ، وفي بعضها أنه حسن إذا كان تمكينا من ألّا يختار الواجب . وكذلك إذا كان ما لا يختار عنده هو انتفاء التكليف والتمكين . ولذلك حكمنا بوجوب اللطف ولم نوجب التكليف ، بل حكمنا فيه بأنه تفضل ، وإن استويا في أن عندهما يقع الواجب وينتفى القبيح وهذا بيّن . وقد سقط ما أورده السائل في أول الفصل ؛ لأنا قد بينا أن تكليف زيد إذا كان مفسدة في تكليف عمرو فإنما قبح لعلة ليست بموجودة في تكليف من يعلم أنه يكفر ، وبينا أن التكليف قد اختصّ بوجه يقتضي حسنه . وبمثله يفصل بين قبح تكليفه الصلاة إذا كان المعلوم أنه يعصى في الصوم ، وبين حسن تكليفه ما يعلم أنه يعصى فيه ، وبطل بذلك ما ذكره :
من إدلاء الحبل إلى من المعلوم أنه يخنق به نفسه على وجه « 2 » لولاه لسلم . ويجب حمل تكليف من المعلوم أنه يكفر على إدلاء الحبل إلى من يعلم أنه يترك التشبّث به ، ويستضر بترك ذلك لا بقبيح آخر يقدم عليه .
فإن قال : أليس لولا إدلاء الحبل لما أمكنه خنق نفسه ، فقولوا : إن ذلك من باب التمكين ، وإنه متى قبح وجب قبح تكليف من يعلم أنه يكفر .
قيل له : إنه متمكّن من خنق نفسه بأعضائه ؛ كما يتمكّن من ذلك بالحبل ، فيجب إلحاقه بقبيل المفسدة / فإن قال ، إذا جاز أن يختلف حكم الفعلين في التكليف ، فيكون مصلحة على أحد الوجهين دون الآخر ، فما الّذي يمنع من أن يكون حكم الخنق بالحبل يخالف حكم القتل ، فيكون التحرز من أحدهما مخالفا للتحرّز من الآخر ، فيجب على هذا أن يكون إدلاء الحبل يحسن ، وإن علم من حال الغريق أنه يخنق به نفسه ، إذا كان
هامش
( 1 ) في الأصل : « عنده » .
( 2 ) في الأصل : « وجوه » .