قد كلّف السلامة من هذا الخنق [ بالحبل ] « 1 » الّذي به يتمكن [ و ] « 1 » قصد بالإدلاء نجاته من الغرق .
قيل له : إن المدلى لهذا الحبل وإن كان قد مكّنه من التشبّث به ، والتخلّص من الغرق ، ومكّنه أيضا به من ترك خنق نفسه به ، فالسلامة من ذلك بأحد التمكينين هو تعريض لنفع وهو التخلّص من الغرق . والآخر هو تمكين من مضرة لا يحصل من السلامة منها إلّا ما يحصل لولاه « 2 » ؛ لأنه متى لم يخنق نفسه بذلك لم يحصل له إلا ما هو عليه لولا الإدلاء . فيجب كون التمكين الأول حسنا ، والتمكين الثاني قبيحا ؛ لأنه بمنزلة تقريب النار إلى زيد ليمكّن من الهرب منه ، في أن ذلك يقبح . ومتى كان المعلوم أنه يختار عنده من القبيح ما لولاه كان لا يختاره فيجب مع ذلك كونه مفسدة .
ويبيّن صحّة ما قلناه أن المقصد بإدلاء الحبل إلى من المعلوم أنه يخنق به نفسه إن كان سلامته من الخنق والقتل ، فقد بيّنا أنه ليس بنفع يحصل له بالإدلاء وأن الإدلاء فيه بمنزلة الحمل على الضرر ، ليتخلّص المحمول عليه منه ، فإن كان سلامته من الغرق مع العلم بأنه يختار خنق نفسه وقتلها فيجب كونه قبيحا لأمرين ، أحدهما أنه مفسدة ، والثاني لأنه قد قصد به من المنافع ما لا يوفى على المضرة التي تحصل عنده ، لأن المقصد هو التخلّص من الغرق الّذي نهاية ما فيه / الهلاك ، مع تجويز التخلّص من دون الإدلاء .
فإذا علم أنه يقتل نفسه عند إدلاء الحبل عليه فقد كلّف أمرا ليتخلّص من ضرر مجوّز ، مع العلم بأنه يختار مثل ذلك الضرر على وجه القطع .
ويفارق ما يقوله : من أنه يحسن منه أن يكلّف زيدا مع العلم بأنه يكفر ؛ لأنه قد عرّض لمنافع عظيمة كانت لا تحصل لولا هذا التكليف . وليس الغرض بالتكليف التخلّص من مضرة يصحّ التخلّص منها على وجه ، ويعلم أن عند التكليف تحصل تلك
هامش
( 1 ) زيادة اقتضاها السياق .
( 2 ) أي لولا التمكين .