في الاسم ، وإن كنا قد بينّا أن ما لأجله يسمّى الشيء مفسدة أن عنده يختار الفساد على وجه لولاه كان يختار الصلاح عليه ، وذلك يقتضي أنه إنما سمى بذلك ؛ لأنه كالداعى إلى ما يقدر عليه وعلى غيره ، فهو بمنزلة الإغراء / بالقبيح والتزيين له ، والترغيب فيه ، وليس كذلك حال التمكين ؛ لأنه لولاه لاستحال منه الفساد والصلاح ، فكيف يقال :
إن ما به يتمكّن من مصلحته ومفسدته يكون لطفا . ولو جاز فيما هذا حاله أن يقال : إنه لطف واستفساد لجاز في نفس القدرة والآلة أن يقال فيهما ذلك ، وهذا يوجب التباس حال الألطاف والدواعي بأنواع التمكين ، والعقل قد فصل بين الأمرين .
وقد بينا أنّ ما يقع عنده القبيح يختلف . فمنه ما يكون إلجاء إليه ، ومنه ما يقع باختيار الفاعل من غير إلجاء . وما هذا حاله ينقسم . فمنه ما يقع عنده على وجه يكون دخولا في ضرر لا يعقب نفعا . فما هذا حاله يقبح لا محالة . وذلك نحو أن يحمل أحدنا على غيره بسيف ليقتله ، فمتى اختار الوقوف فقتله أو أضرّ به فما اختاره يقبح ؛ لما قدمناه ، ولأنه يلزمه التحرز من هذه المضرة بالهرب ، فمتى وقف فقد ترك الواجب عليه .
ويفارق ذلك من يعلم أنه يكفر ، لأنه قد عرّض لمنافع عظيمة ، وليس التكليف بإدخال له في ضرر لا يعقب نفعا . فلذلك افترقا ، وإن كان كل واحد منهما في حكم الإيجاب والإلزام ، وصار ما قدمناه في باب القبح أولى من المفسدة .
وهذا بعينه يسقط قول من قال : إذا كان حمل الواحد منا على غيره بالسيف يجرى مجرى التمكين من السلامة منه ؛ لأنه عند ذلك يلزمه من السلامة ما لولاه لم يكن لازما ، وقبح عندكم مع ذلك ، فهلا قبح تكليف من المعلوم منه أن يكفر ؛ لأن ما بيناه قد أوجب الفصل بين الأمرين من حيث كان أحدهما في حكم الإلجاء / إلى مضرّة على وجه لولاه لم تحصل منفعة ، وليس كذلك التكليف ؛ لأنه تعريض للمنافع العظيمة ، على
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 221
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٢١