وإن كان القديم متفضّلا به ، من حيث تفضّل بسببه على وجه مخصوص .
ولا يلزم على ذلك تكليف الرسول أداء الرسالة ، مع العلم بأنه لا يؤدّيها ، أو يقدم على ما ينفّر ويفسد طريق الاستدلال بالمعجز . وذلك لأنه إنما يكلّف الأداء لأمر يتعلّق بمصلحة الغير ، فلا بدّ من اعتبار حاله في ذلك ، لكنه قد يصح أن ينعم عليه تعالى بالتكليف الّذي يختص به ، ولا يتعلّق بغيره ، فيجب أن يحسن تكليف من يعلم أنه يكفر ، وإلّا أدى ذلك إلى القول بأنه لا يصحّ فيه تعالى أن ينعم بهذه النعمة المعقولة على بعض الأحياء .
وقد قال شيخنا أبو عبد اللّه رحمه اللّه : إن الواحد منا في حال سدّه حاجته إلى الأكل لو آثر غيره بالمأكول لم يمتنع أن يقال إنه منعم بهذا الإيثار ، وإن كان يقبح منه ؛ لما فيه من الإضرار بنفسه . فلا يمتنع على هذا أن يقال : إنه تعالى لو كلّف الرسول / أداء الرسالة لم يخرج ذلك من كونه نعمة ، وإن علم أنه لا يؤدّيها ، أو يقدم على ما ينفّر عن قبولها ، وإن كان ذلك يقبح منه تعالى .
ومتى قلنا في هذا التكليف : إنه نعمة على كلّ حال فقد سقط السؤال ، وإنما يتّجه علينا عند ذلك أن يقال لنا : فقولوا بأن تكليف من يعلم أنه يكفر يكون نعمة وإن كان قبيحا . ومتى سأل السائل عن ذلك فقد اعترف بما أردناه من كونه نعمة . ولم نورد هذا الفصل إلّا لنبين أن كون هذا التكليف نعمة لم يرتّب من بعد عليه القول بأنه حسن وحكمة ، وقد قلنا نحن في مواضع : إن المؤثر على نفسه المأكول يستحق الشكر وإن لم يكن فعله حسنا ونعمة ، من حيث وصّل الغير لأمر يتّصل به إلى الانتفاع بما ملك ، فصار بمنزلة استحقاقه تعالى الشكر لو لم يفعل العقاب ، وإن لم يكن فاعلا لأمر مشار إليه يقال إنه نعمة . وبينّا أنه إذا جاز استحقاق المدح لا على فعل فهلّا جاز استحقاق الشكر لا على فعل ، فلا يبعد أن يقال في تكليف الرسول إذا كان الحال ما وصفنا :
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 219
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢١٩