حال تكليفه تعالى ؛ لأن إلزامه لا يستند إلى فعل غيره فيجب القضاء بقبحه .
قيل له : إن الفعل إذا وقع على بعض الوجوه وحسن لكونه كذلك ، فيجب حسن كلّ ما شاكله من سائر الفاعلين ؛ ولا يختلف ذلك بأن يكون أحد الفعلين يستند إلى غيره دون الآخر . ولو جاز هذا القول لجاز أن يقال : إنّ أمرنا الغير بما ينفعه من غلبة الظن لا يحسن ؛ لأنه لا يستقلّ بنفسه ويحسن ذلك في تكليف القديم لمن يعلم / أنه يؤمن .
وبعد ، فإن إلزامه تعالى يستند إلى أفعال تقدمت منه ، لولاها لم يصحّ الإلزام ، وليس لتلك الأفعال مدخل في الإلزام فصار سبيله سبيل فعلنا في هذا الوجه فيجب إذا حسن منا ما ذكرناه أن يحسن منه تعالى التكليف لاشتراكهما في الوجه الّذي قدمناه .
فإن قيل : إنما يحسن منا ما ذكرتموه من الإرشاد والدعاء إلى الدين وغيرهما لما لنا فيها من النفع أو دفع المضرة فحمل التكليف على ذلك لا يصحّ .
قيل له : قد بينا من قبل أن ذلك يحسن منا مع غلبة الظن أنهم لا يقبلون ، وإن لم يكن لنا فيه منفعة أو دفع مضرة ، وبيّنا أنه لا فصل بين هذا القول وبين قول الملحدة إذا تعقلوا بمثله في أن العالم لا يفعل الحسن لحسنه ، وبيّنا أن ذلك لو قبح إذا لم يجترّ به منفعة أو يدفع به مضرة لقبح وإن حصل لنا فيه المنفعة لأن منافعنا لا تقتضى حسن الإضرار بالغير .
فإن قيل : إنما حسن منكم في الشاهد ما ذكرتموه ؛ لأنكم لا تفعلون في الضالّ عن الطريق عند الإرشاد ، ولا فيمن دعوتموه إلى الدين العلم بوجوب ذلك عليهم ، بل يحصل لهم العلم بذلك من جهة اللّه تعالى ، فلا يكون الواحد منا هو الموجب في الحقيقة .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 209
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٠٩