تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
ويفارق التكليف الّذي يختصّ بكونه صلاحا بالمكلّف فقط على ما بينّاه . فعلى هذا يجب أن يقاس هذا الباب . ولسنا نقول في الملائكة : إنهم لو كلّفوا مع العلم بأنهم يعصون كان تكليفهم يقبح . بل القول فيهم كالقول في غيرهم ، وإن كان المعلوم أنهم يطيعون في كل ما كلّفوا فليس لأحد أن يقول : إذا قبح تكليفهم للعلم بأنهم يعصون فيجب بطلان ما أصّلتموه ؛ لأنا لا نقول فيهم إلّا بمثل القول في غيرهم ، ولو أطاع المكلّفون بأسرهم لم يؤثّر فيما ذكرناه ، من حسن تكليف من المعلوم أنه يكفر ، كما لو عصوا لم يؤثر في حسن تكليف من المعلوم أنه يؤمن ، فوجود الأشياء على بعض الوجوه لا يقدح فيما ثبت بالدليل من غيره أنه حسن أو قبيح . فأمّا الإمام فقد بينّا أنه لا يعلم من جهته المصالح ، وإنما يقوم بأداء أمور في الشريعة ، فلا يمتنع أن يكلّف القيام بها ، وإن كان المعلوم أنه يعصى . وقد اختلف شيخانا رحمهما اللّه في هذا الباب . قال أبو علي رحمه اللّه : متى علم من حاله أنه يخلّ ببعض ما يلزمه القيام به فعل اللّه سبحانه ما يقوم مقامه في المصلحة ؛ لأن فعله تعالى قد يقوم مقام فعل الإمام في المحدود « 1 » وغيره . ويفارق الألطاف التي إنما تكون بهذه الصفة ؛ لاختصاصها بأنها تقع باختيارنا ؛ لأنه لا يجب أن يقوم مقامها ما يفعله تعالى فينا . هذا إذا لم يظهر الحال فيما أخلّ به من الحدود وغيرها . فأمّا إذا ظهر الحال فيه فالواجب العدول عنه / إلى غيره ؛ ليقوم بذلك الأمر ، على ما نقوله في خلع الإمام عند حدث كائن منه . وأما شيخنا أبو هاشم رحمه اللّه فإنه يجعل ما يقوم به الإمام من مصالح الدنيا التي لا يؤثّر تركها والإخلال بها في التكليف ، وإنما يؤثر في توقّى مضارّ الدنيا . فلا يجب
هامش
( 1 ) أي من وجب عليه بارتكاب ما يوجبه .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 212 | القاضي عبد الجبار الهمذاني