تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
قيل له : إن الواحد منا إذا دعا غيره إلى الدين ، وناظره فيه ، وكشف له الحقّ من الباطل فقد فعل ما يلزمه عنده ما لولاه كان غير لازم له ؛ كما أنه تعالى يفعل بالمكلّف ما يلزمه عنده الواجب . فالحال فيهما واحدة . فإذا حسن ما ذكرناه في الشاهد مع الظنّ ، حسن التكليف مع العلم على ما بيّناه . يبيّن ذلك أنه تعالى قد يصحّ أن يكمل عقله ولا يكلّفه ، إما لإلجاء ، أو لأنه لا يحوجه إلى القبيح . فمتى أحوجه إلى ذلك وأورد عليه الخاطر فإنما فعل الأمر الّذي عنده يعلم وجوب الواجب بعقله ، فيكون مكلّفا له . فكذلك القول في المرشد منا الضالّ ، والداعي إلى الدين غيره ، والمعرّض غيره لمنفعة ، بتقديم الطعام إليه وإدلاء / الحبل وغيره ؛ لأنه قد فعل أمورا عندها لزم بعقله ما لولا ها كان غير لازم . فإن قيل : إن الواحد منا وإن كان حاله ما ذكرته ، فإنما نبّه على الواجب ، وفعل ما عنده وجب ، ولم يصيّر المأمور من يشقّ عليه الفعل حتى يكون بصفة المكلّف الّذي يستحقّ الثواب والعقاب . والقديم تعالى قد جعله بهذه الصفة . فهو في حكم المدخل له في الضرر ، والموقع له فيه . فلذلك فارق حاله حال الواحد منّا . قيل له : إن القبيح يستحقّ به العقاب وإن لم يشقّ فعله ، فلا فرق بين أن يفعل ما عنده يختار ما يدعوه إلى الدين القبيح ، وبين أن يفعل تعالى التكليف الّذي عنده يكفر المكلف . وإنما يفارق حاله تعالى حالنا « 1 » في أنه قد فعل ما يصحّ معه استحقاق الثواب دوننا ، وليس لذلك مدخل فيما اعتمدناه . فإن قيل : إنكم وإن ألزمتم الغير ما لولا فعلكم لم يلزمه ، فإلزامكم ذلك إنما يصحّ بتقدم أفعال منه تعالى : من إكمال العقل وغيره ، فصار ذلك الإلزام من حيث استند إلى ما فعله القديم تعالى كأنه ليس بإلزام منكم ، فلذلك حسن مع غلبة الظنّ . وليس كذلك
هامش
( 1 ) كذا في الأصل . والأولى حذف اللام .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 208 | القاضي عبد الجبار الهمذاني