تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
يعلم من حاله أنه يؤدّى ما حمّله . وذلك في بابه بمنزلة ما يجب عليه تعالى أن يفعله : من الألطاف ، ووجوه التمكين لتقدم المكلف وإن كان لولا تقدمه لم يكن ليجب . وكذلك القول فيما سألت عنه ، فلذلك صح تكليفهم « 1 » ما لا يتعلّق بالأداء ، مع العلم بأنهم يعصون فيه إذا كان ذلك صغيرا غير منفّر . وليس له أن يقول : فيجب أن تجوز بعثة النبي متى علم أنه يؤدى الشرائع ، وإن علم أنه يرتكب الكبائر أو الأمور المنفّرة في غيرها « 2 » ، وذلك لأنه كما يجب ألّا يبعث إلّا من المعلوم من حاله أنه يؤدّى ما حمل من الشرائع لما بينّا ، فكذلك لا يجوز أن يبعث من المعلوم أنه يقدم على ما ينفّر من القبول منه ، على ما بينته في باب النبوات ، ولذلك منعنا تجويز كل ذلك عليه . وليس له أن يقول : فيجب إن كان بعثه من يترك الأداء إنما يمنع لكون ما يؤدّيه لطفا لأمته فيجب أن يجوز أن يكلّف ذلك وإن لم يكن له فيه صلاح إذا كان لطفا لغيره . وذلك لأنه لا بدّ من أن يكون لطفا له أيضا حتى يحسن إيجابه عليه مع ما فيه من المشقّة . ولولا ذلك لقبح تكليفه ؛ لأنه لا يحسن تكليف زيد لمصلحة عمرو فقط ؛ كما لا يحسن إيلامه لمصلحة غيره . وكما أنه يجب أن يعوّض المؤلم ليسدّ العوض مسدّ ما أنزل به من المضارّ فكذلك لا بدّ من ثواب يستحقّه المكلّف على ما كلّف . ولا يجوز أن يكلّف لمكان الثواب فقط ، فلا بدّ من كونه مصلحة له في العقليات . وهذه الجملة تبيّن أن كل تكليف اختصّ مع كونه صلاحا للمكلّف / بأنه صلاح لغيره ، أو يتعلق بما هو صلاح لغيره ، فلا يجوز مع العلم بأن المكلّف يتركه أن يكلّف .
هامش
( 1 ) أي تكليف الأنبياء . ( 2 ) أي في غير الشرائع .