تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
قيل له : إن حال الواحد منا فيما يختاره لنفسه يخالف ما يختاره لغيره ؛ لأنه إذا ظن في أمر يتعرض له أنه يؤدّيه إلى مضرة حصل له في الحال غمّ ، فلا يحسن منه أن يجتلب ذلك من غير منفعة ، ومتى كان عالما بأنه سيختار المضرة ، فما ذكرناه فيه آكد ، وليس كذلك ما يختاره لغيره . فلذلك حسن منا إرشاد الضالّ عن الطريق إلى الطريق ، وإن غلب على الظنّ أنه لا يقبل ذلك ، إلى سائر ما ذكرناه . فإن قيل : كيف يصحّ ما ادّعيتموه من أن غلبة الظنّ تقوم مقام العلم ، وقد علمتم أن مع العلم بأن المخبر على ما تناوله الخبر قد يحسن الخبر [ و ] مع الظن لذلك لا يحسن . وإذا افترق الظنّ والعلم في هذا الموضع فهلا صح افتراقهما في سائر المواضع ؟ قيل له : إنما قام أحدهما مقام الآخر في الأفعال التي تحسن أو تقبح للمنافع والمضارّ ، وما سألت عنه بمعزل من هذا الباب ؛ لأن الكذب يقبح لكونه كذبا ، وحصول النفع فيه لا يؤثّر . فيجب متى جوّز في الخبر كونه كذبا ألا تؤثر فيه المنافع ، وأن يقبح ؛ لتجويز كونه بصفة القبيح ؛ لأنه لا يمكن أن يقال : إن الظن لجهة حسنه « 1 » كما نقوله في الآلام . فصار تجويز كونه كذبا في أنه لا يخرج معه من كونه قبيحا / بمنزلة تجويز كون الفعل المأمور به حسنا في أنه لا يخرج الأمر من كونه قبيحا . ويفارق ما تقوله في الاعتقاد : من أنه قد يحسن من الفاعل الإقدام عليه مع تجويز كون معتقد [ ه ] على ما ليس به إذا تعلّق بالنظر المولّد له ، أو بذكر النظر ؛ لأنه متى استند إليهما صار حكمه حكمهما ، ولأنه عند وجوده يحصل سكون النفس إليه . وليس كذلك حال الخبر . فقد بان أن ما ذكره وأمثاله لا يقدح فيما ذكرناه : من أن غلبة الظن تقوم مقام العلم فيما طريق حسنه أو قبحه المنافع والمضارّ
هامش
( 1 ) في الأصل : « لحسنه » .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 206 | القاضي عبد الجبار الهمذاني