فإن قيل : إنما حسن ما ذكرتموه من إرشاد الضالّ وغيره مع غلبة الظن أنه لا يقبل ؛ لأنه بترك قبوله لذلك لا يجتلب مضرة كانت لا تحصل لولا ه ، وإنما يتبقى على ما كان عليه من قبل ، فكأنه تعريض لمنفعة إن قبل ، ولا يؤدّى إلى مضرة إن لم يقبل ؛ فلذلك حسن . وليس كذلك حال التكليف ؛ لأنه إذا لم يختر فعل ما كلّف فلا بدّ من حصول مضرة عظيمة . كانت لا تحصل لولا التكليف . فيجب كونه مخالفا لما ذكرتموه .
قيل له : ليس الأمر كما ظننته ؛ لأنه متى لم يقبل منا ما دعونا إليه ونهينا عنه ؛ فلا بدّ من أن يستحقّ ذمّا لولا ه كان لا يستحقّ ؛ ألا ترى أن الجائع إذا ترك أكل ما قدّمناه إليه استحق الذمّ . وكذلك من ندعوه إلى الدين ، ونكشف له الحق ، وننبّهه على بطلان ما تمسّك به . وكذلك القول فيمن نبين له أن في الطريق سبعا أو غيره من جهات الخوف . وإذا صحّ أنهم يستحقّون الذمّ بالردّ ، والعقاب من اللّه تعالى فقد بطل ما قاله ، وثبت أنه بمنزلة التكليف ، وإنما يفارقه في أن / ما يستحقّه المكلّف بالردّ من الضرر أعظم مما يستحقّه من ذكرناه متى لم يقبل منا . وكل فعل قبح للمضرة فيجب قبحه ، قلّت المضرة فيه أو كثرت إذا لم يكن في نفسه نفعا ؛ لأن تيسير المضرة يصير في حكمها ، كما يصير ذلك تكثير المضرة .
هذا إذا لم يحصل في تركهم القبول منا إلا الذمّ . فأما إذا ثبت فيه العقاب فحاله وحال التكليف بمنزلة واحدة .
فإن قيل : إنما حسن منكم ما ذكرتموه مع غلبة الظن ؛ لأنكم نبّهتم على الواجب في عقل من دعوتموه إلى الدين ، فوجوبه عليه من قبل خالق العقل لا من قبلكم .
فلذلك حسن منكم مع الظنّ . وليس كذلك حال التكليف ؛ لأنه تعالى هو الموجب والمكلّف . فمتى علم أنه يختار المكلّف ما يؤدّيه إلى الضرر يصير كأنه أدخله فيه ، فلذلك يقبح منه أن يكلّفه .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 207
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٠٧