تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
قيل له : إن العلم بوجوب ذلك وإن كان من جهته تعالى فما عنده حصل ذلك العلم هو من قبل الواحد منا . ولولا حصول ذلك من قبله لم يحصل العلم بوجوبه . فصار فاعل ذلك كأنه الفاعل العلم بوجوب الواجب . فصحّ القول بأنه الموجب ؛ من حيث فعل ما عنده علم المكلف وجوبه ، فإذا حسن منه هذا الفعل / مع غلبة الظنّ أن المكلّف لا يختار فعل الواجب فيجب أن يحسن مثله من القديم تعالى ، وقد بيّنا أن القديم سبحانه لا يصحّ أن يكون موجبا إلّا على هذا الحدّ ؛ لأنه يفعل العلم بوجوب الشيء أو ما عنده يحصل من المكلف العلم بوجوب الواجب إذا كان طريق العلم بذلك قد حصل ضروريا في العقل ؛ لأنه تعالى إذا أخطر بالبال ما يقتضي الخوف من ترك النظر في معرفته ، وقد تقرر في العقل أن التحرز من المضار المظنونة والمعلومة واجب ، وأن هذا النظر قد اختصّ بهذه الصفة علم وجوبه عند الخاطر . وهذا العلم وإن كان من فعله فكأنه من فعل اللّه تعالى ، لمّا كان هو الفاعل للعلم الأول والمنبّه على طريقة الخوف بالخاطر ، فكذلك القول في الواحد منا إذا نبّه غيره على جهات الخوف في الطريق الّذي يريد سلوكه أنه في الحكم كأنه قد أوجب عليه توقّيه ، والعدول عنه إلى طريق سواه . وذلك يبيّن صحّة حمل التكليف على ما ذكرناه في الشاهد وأن التفرقة بينهما من الوجوه التي ذكرناها وغيرها - مما يطول تقصّيه - لا يقدح في وجه الجمع بينهما . فإن قيل : فيجب أن يحسن منه تعالى تكليف النبي صلى اللّه عليه وسلم الأداء ، وإن كان المعلوم أنه يعصى فيه ويتركه . قيل له : إن الّذي قدّمناه يبيّن أن التكليف لا يقبح ، من حيث كان المعلوم من المكلّف أنه يعصى لسوء اختياره ولا ينكر أن يعرض فيه وجه آخر يقتضي قبحه . وما سألت عنه إنما لم يجز ؛ لأن ما يؤديه الرسول يتعلّق به إزاحة علل المكلفين ، فلا بدّ من / وقوعه . فلو علم تعالى أنه لا يقع لما بعث ذلك الرسول ، ولبعث غيره ممّن