تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥
الحبل إلى من يعلم أنه لا ينجو به من الغرق ، في أنه منفعة ، وإن أساء الاختيار لنفسه . على أن اختيار المكلّف لما يضرّه دون ما ينفعه لو اقتضى قبح أمره ، وتكليفه لوجب أن يقبح في الشاهد كل أمر يجوز ذلك فيه ، لأن تجويز حصول صفة القبح في الفعل يقتضي قبحه ؛ كما يقتضيه القطع على ذلك من حاله . ألا ترى أنه لا فرق بين قبح الكذب وبين قبح الخبر الّذي يجوز كونه كذبا ، وإنما صحّ أن يحسن الضرر متى غلب على الظن حصول نفع فيه ؛ لأن الظن قد صار جهة لحسنه وحصوله متيقّن فخرج من الباب الّذي ذكرناه ، فإذا صحّ ذلك وكان الأمر فيما بيننا يحسن مع تجويز اختيار المأمور لما يضرّه فكذلك « 1 » التعريض للأمور يحسن مع تجويز اختيار المعرّض لما يضرّه ، والعلم بحسن ذلك من أوائل العقل ، فيجب القضاء بفساد هذا القول . وبعد ، فإن كان اختياره لما يؤدّيه إلى المضارّ يوجب كون ما فعل به ضررا قبيحا فيجب أن يكون اختياره لما يؤديه إلى المنفعة هو الّذي يقتضي كون الفعل نعمة وإحسانا ، وذلك مستحيل ، لأنه يؤدّى إلى أن يكون كونه نعمة موقوفا على تنعّم المكلف ، وكون المكلف متنعما موقوف على كون ما فعل به نعمة وهذا يتناقض ؛ لأنه لا يصحّ أن يقال : إن المكلف يكون منعما على نفسه باختياره / فلا بدّ من كون المكلّف منعما عليه ، ولا يكون منعما عليه إلّا بما فعله ، فلو لم يتم كونه نعمة إلا باختيار المكلّف ، وقد ثبت أن اختيار المكلف يترتب على كونه نعمة ، لوجب تعلق كل واحد منهما بصاحبه على وجه يجرى مجرى العلّة لنفسه . فإن قيل ، إذا صحّ أن يقف الخبر في كونه صدقا على فعل الغير واختياره ، ولا يوجب أن يكون ذلك الفاعل هو الّذي صيّر خبر المخبر حسنا وصدقا ، وأن يزول
هامش
( 1 ) في الأصل : « وكذلك » .