لمن يكلّفه يحسن أو يقبح لاختيار المكلف الإيمان أو الكفر ، مع تأخّر اختياره عن التكليف وانفصاله منه . وإذا كان ماله يستحق على القبيح الذمّ والعقاب يجب أن يكون في حكم المضامّ له من حال الفاعل أو المعاني « 1 » فكذلك القول فيما يقتضي قبحه أو حسنه .
وذلك يبطل القول الّذي ذكروه .
فإن قال : إن جميع ما ذكرتموه إنما يبطل قول من جعل التكليف قبيحا لعلّة اختيار المكلّف الكفر ، وحسنا لاختياره الإيمان ، وذلك لعمري مسقط لقولهم في الجواب عما يعتمد : من أن تكليف من المعلوم أنه يكفر إنما يقبح ؛ لأن المكلف عالم بأنه يكفر ، ولا يؤمن ويختار الضرر دون النفع ، ويتوصّل إلى عطب نفسه وهلاكها دون الفوز والنجاة ، ويكون كونه عالما في أنه يؤثّر في قبح ذلك بمنزلة كونه عالما بأنه يثيب المكلف في أنه شريطة / في حسن التكليف وكونه عالما بحسن ما يكلّفه وصحّة التوصّل به إلى الثواب . فإذا صحّ أن يقال : إنه تعالى لو علم أنه لا يثيب المكلف كان تكليفه إياه قبيحا ؛ لكونه عالما بذلك ، فهلّا جاز ما قلناه وإذا كان من قولكم أن تكليفه تعالى لزيد يقبح إذا علم أنه مفسدة لغيره ، ومن حيث كان عالما بذلك فما الّذي يمنع ممّا قلناه : من أن تكليف من يعلم أنه يكفر يقبح لعلمه بأنه يختار الكفر والضرر ، ولا يصحّ لكم دفع ذلك بما قدّمتموه ؛ لأنا لم نجعل الموجب لقبح التكليف اختيار المكلف ، بل جعلنا العلّة في ذلك كون المكلّف عالما بذلك من حاله ، وذلك في حكم المضامّ للتكليف ، وفي حكم المنفصل من فعل المكلف . ولا يصحّ لكم إبطال ذلك بالشاهد ؛ لأن الواحد منا لا يعلم فيمن عرّضه وأمره وكلّفه أنه يختار ما يضرّه لا محالة ، وإنما يحسن ذلك في الشاهد ؛ لأن المكلّف منا قد يجوّز أن يختار المكلّف نفع نفسه ، ولو علم أنه يختار المضرة لا محالة لقبح ذلك منه والعلم بقبح ذلك يجرى مجرى العلم بقبح
هامش
( 1 ) الكلمة في الأصل غير منقوطة . وكأنه يريد بالمعاني المعالج للفعل بالآلة مثلا .