تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
كل واحد منهم معنى خرج من كونه عبثا ، حتى يحسن على هذا القول تكليف الخلق العظيم ، وإن كان المعلوم أنه لا أحد فيهم يؤمن في كل ما كلّفه ، وإن أطاع في البعض . وبعد فإنه « 1 » لا فرق بين القول بأنه يخرج هذا التكليف من كونه عبثا ببعض ما ذكرناه من الوجوه ، وبين ما ذكرناه : من أنه يخرج عن هذه الصفة بكونه تعالى معرّضا له للثواب العظيم ومريدا منه تعالى ما يوصله إلى ذلك ، وفاعلا به كل ما يكون إلى نيله أقرب ؛ لأنه إذا جاز خروج الشيء من كونه عبثا لأن غيره ينتفع ، فبأن يجوز خروجه من كونه عبثا بأن ينتفع هو به أو يصح ذلك منه أولى . فأمّا إذا قيل : إن هذا التكليف يقبح لأنه ضرر ؛ من حيث علم أنه يختار ما يؤدّيه إلى العطب والهلاك والعقاب الدائم ، فإنه لا يجوز أن يقال : إنه يحسن لأن غيره يؤمن عنده ؛ لأنه لا يحسن الإضرار بزيد لمنفعة غيره ، ولو حسن ذلك لحسن من الواحد منا أن يظلم غيره لمنفعته ، وهذا واضح الفساد ؛ فيجب ألّا يحسن ذلك البتّة . ومتى قيل إنه يحسن لأن غيره يؤمن عنده لزم أن يحسن منه تعالى أن يستفسد زيدا أو يضرّ به ضررا مبتدأ ، ويغريه بالقبيح لأن غيره يؤمن عنده . فإن قال : إني أقول : إن هذا التكليف يقبح على كل حال لهذه العلّة . قيل له : قد بيّنا فسادها ، ودللنا على أن هذا المكلّف إذا صحّ لما اختص به من الصفة أن ينفع نفسه ويضرّها ، فيجب أن يراعى في كون ما فعل به من التكليف والتمكين نفعا أو ضررا / بقصد المكلف وإرادته ، وبينّا أنه إذا عرّضه للثواب ، وأراد منه فعل ما يوصّله إليه ، فيجب كونه نافعا ، ومنعما عليه ، ومتى اختار ما يضرّه فإنما يؤنى من قبل نفسه ، ومثّلناه بتقديم الطعام إلى من يعلم أنه يترك تناوله ، وإدلاء
هامش
( 1 ) في الأصل : « فإن » .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 194 | القاضي عبد الجبار الهمذاني