الظلم في الجملة ، وإن لم يحصل العلم بالتفصيل ؛ لأن العلم بالمقبّحات متقرر في العقل على الجملة ، وإن احتيج في تفصيله إلى دلالة ، فليس لكم أن تقولوا : إن تعذّر العلم بنظير ذلك في الشاهد يمنع من حصول هذا العلم ؛ لأنه إذا كان علما بما ذكرناه على وجه الجملة ففقد العلم بالتفصيل لا يؤثّر فيه ؛ كما لا يؤثّر في علوم الجملة وكونها ضرورة كون العلم بالتفصيل مكتسبا / والشّبه فيها ممكنة . فإن قلتم : إن العلم لا يقتضي قبح الشيء ولا حسنه ؛ لأنه يتعلّق بالشيء على ما هو به ، لا أنه يصير على بعض الصفات بالعلم .
قيل لكم : إن ذلك يبطل بما بينّاه من أن علم القديم تعالى بأنه يثيب شرط في حسن التكليف ، وعلمه بأن التكليف مفسدة شرط في قبحه ، إلى غير ذلك . وإذا صحّ أن كونه تعالى عالما يقتضي كون ما نفعله من الاعتقاد علما ، فما الّذي يمنع من كونه مقتضيا لقبح ما نفعله وحسنه . وإنما ينكر قول المجبرة وغيرهم ؛ لأنهم أحالوا القدرة على ما يعلم تعالى أنه لا يكون ولا يقع ، فأوجبوا بهذا القول أن العلم كالموجب لكون معلومه على ما هو به . فأمّا ما قلناه نحن في ذلك فغير ممتنع . وكلّ ذلك يوجب قبح تكليف من يعلم أنه يكفر ، وأنه من فعل الظلمة على ما تقوله المنانيّة ، أو من فعل الشيطان على ما يقوله المجوس ، أو يجب أن يتوصّل به إلى نفى الصانع ، أو نفى كونه حكيما منزّها عن فعل القبيح ، أو يجب أن يستدلّوا بذلك على أنه تعالى لا يعاقب من عصاه ، فلذلك حسن أن يكلّفه مع علمه بأنه يكفر . ولا يتمّ ذلك إلّا مع الطعن في النبوّات ، ونصّ الكتاب ؛ لأنه قد ثبت من دين رسول اللّه صلى اللّه عليه أن اللّه تعالى يعاقب الكفّار .
واعلم أن هذا السائل لا يخلو من أن يدّعى أن العلم بقبح التمكين والتعريض إذا كان المكلّف عالما بأن المتمكّن يضرّ نفسه ، ويسئ اختيارها ضروري على الجملة ، أو / يدّعى أن العلم بذلك مكتسب ، فإن ادّعى فيه الاضطرار فقد أبعد ؛ لأن العلوم المتعلّقة بالمقبّحات أو المحسّنات على جهة الجملة هي من كمال العقل ، فلا يصحّ أن يختصّ بها عاقل
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 198
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٩٨