أجمع منتفية عن تكليف من المعلوم أنه يكفر ، فيجب القضاء بحسنه من حيث اختص بما ذكرناه .
/ وقد ذكرنا من قبل أنه لا يمكن أن يقال فيه : إنه يقبح ؛ لأنه عبث ؛ من حيث كان العبث هو كل فعل لم يقصد به فاعله وجها معقولا ، فيكون بمنزلة الهذيان الّذي يقع من الواحد منا ، وسائر ما لا غرض لفاعله فيه ، مع أنه عالم قاصد ؛ وليس كذلك حال التكليف ؛ لأنا قد بينا أنه تعالى قد عرّض بذلك للثواب ، وأراد من المكلف فعل ما يصل به إليه ، فكيف يقال : إنه عبث ، وقد أراد وجها مخصوصا .
وبعد ، فلو جاز أن يقال فيه : إنه عبث وحاله ما قلناه ، لجاز أن يقال في عقابه تعالى لمن يستحقه : إنه عبث ، وإن كان مستحقا ، وقد أراد تعالى فعله ، ولجاز مثله في تكليف من يعلم أنه يؤمن . وقد ثبت أن في القبائح ما لا يكون عبثا متى كان قد أريد إيقاعه لبعض الوجوه وفعل لبعض الأغراض ؛ ألا ترى أن الظلم قبيح ولا يوصف بأنه عبث .
وليس لأحد أن يقول : إني إنما سمّيت هذا التكليف عبثا ؛ لأنه قبيح ، ومتى استعمل العبث بمعنى القبيح فهو مجاز وتقريب ، على أنه متى أراد السائل بوصف هذا التكليف أنه عبث أنه قبيح لم يصبح « 1 » موضع الخلاف فيجب أن يدلّ أوّلا بضرب من الدلالة على أنه قبيح لكي يصح له التعلّق بكونه عبثا .
وبعد ، فإنه لا يكفى في إثبات قبح الشيء بأن « 2 » يدّعى كونه عبثا متى لم يرد بالعبث ما قدمنا ذكره ، فيقال لهذا السائل : إن أردت بقولك : إن هذا التكليف عبث أن صفته صفة العبث الّذي قد عقلناه ، فقد بينا مخالفته له ؛ من حيث قصد به غرض
هامش
( 1 ) في الأصل : « يصح » .
( 2 ) كذا في الأصل ، ولا وجه لإثبات باء الجر . وقد يكون الأصل : « يكتفى » بدل « يكفى » فتكون الباء في محلها .