تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
قيل له : إن علمه تعالى بأنه يختار ما يضرّه لا يقتضي أن يريد منه الكفر ، ولا علمه بألّا يفعل الإيمان يمنع من إرادته له . . وإنما قلنا في الوالد : إنه لا يريد أن يفعل بولده ما يختار عنده قتل نفسه ، والإضرار بها ؛ لأنه مما يغمّه ، واغتمامه بذلك يصرفه عن إرادته له ، ويقتضي قبح إرادته ذلك . وليس كذلك حال القديم تعالى ، فلا يجوز أن يقال ، إن / علمه بأن المكلّف لا يؤمن بصرفه عن إرادة ذلك منه ، وليس كذلك ما ذكرناه ؛ لأنا قد بينا أنه قد فعل ما يدلّ على كونه مريدا منه الإيمان وكارها منه الكفر . فإن قال : هلا قلتم : إنه تعالى لمّا لم يمنعه من الكفر والإضرار بنفسه علم أنه غير مريد لمنافعه ؛ إذ لو أراد ذلك لمنعه من الإضرار بنفسه . قيل له : قد بينّا أن المنع من الكفر يزيل التكليف أصلا ، وتقصّينا القول فيه ، وبينّا أنه إنما يجب أن يكون تعالى مانعا له من الكفر المنع الّذي يصحّ معه التكليف ، وقد فعل تعالى ذلك النهى والزجر والتخويف وفعل ما يجرى محرى الحمل له على الإيمان : من الأمر والتزيين والتسهيل ، فصار بذلك مؤكّدا لما قلناه : من أنه تعالى يجب أن يكون مريدا للإيمان كارها للكفر . فإن قيل : إنكم حكمتم بأن التعريض للمنفعة في حكمها في الحسن إذا انتفت وجوه القبح عنه ، وبنيتم الكلام في التكليف ، فبينوا أن تكليفه تعالى من يعلم أنه يكفر قد عرى من جهات القبح ، حتى يصحّ القضاء بحسنه من حيث كان تعريضا لمنفعة عظيمة لا ينالها إلّا به . قيل له : إن وجوه القبح معقولة ؛ فلا يصح أن يدّعى فيها ما لا يعقل ؛ لأن ذلك يوجب الشكّ في سائر ما يعرف حسنه ووجوبه ، ويوجب التباس الحسن بالقبيح ؛ وكمال العقل يمنع من ذلك . فإذا صح ما ذكرناه وكانت وجوه القبح التي نعقلها « 1 »
هامش
( 1 ) في الأصل : « نفعلها » .