من غير إرادة حسن ذلك منه في الإلجاء . ومتى قدّم إليه على وجه يجوز أن يتناوله ويجوز منه تركه ، ودواعيه تتردد بين الأمرين ، فلا بدّ من إرادة ، على ما قدمناه في التكليف . فأمّا تقديم الطعام الّذي يظنّه مسموما فإنه يقبح ؛ لأنه ممّا لا يصح أن ينتفع به عنده وفي ظنه ، فيجب أن يقبح . ويفارق التكليف ؛ لأنه تعالى عالم بأنه يصح منه الانتفاع ، ومتى كفر فإنه أتى من قبل نفسه . فأمّا إذا قدّم إليه ما يظنه مسموما وليس هو كذلك والّذي قدم ذلك إليه ملجأ إلى تناوله ، فلا يبعد أن يحسن منه التقديم ، وإن قبح منه القصد ؛ لأن ذلك نفع ؛ فيجب حسنه إذا لم يعقب مضرّة . فأمّا قصده إلى تناوله ، مع كونه مسموما ، فيجب أن يقبح ؛ لأنه قصد للضرر . ويكون بمنزلة قصد من ردّ الوديعة إلى الأصداع في أنه يقبح وإن كان المراد حسنا . فأما إذا لم يصر من قدم ذلك إليه ملجأ فليس يبعد كون الإرادة والمراد / قبيحين على ما قدّمناه . وأما إذا ظنّ الطعام غير مسموم ، وهو مسموم في الحقيقة ، ولا طريق له إلى معرفة كونه مسموما ، فإنه يحسن منه تقديمه إلى غيره ، وإن لم ينتفع به ، كما يحسن منه أن يؤلمه لمنفعة يظنها ، وإن لم تحصل . ويصير الظنّ في هذا الباب بمنزلة العلم . فكما لو علم أنه غير مسموم لحسن منه أن يقدّمه ، فكذلك إذا ظنّه بهذه الصفة . والتكليف أولى بأن يحسن ؛ لأنه تعالى يعلم أن المكلّف يمكنه أن ينتفع بذلك وإن أساء اختيار نفسه .
فعلى هذه الوجوه يجب أن يجرى القول في هذا الباب .
فإن قيل : لم صرتم بأن تستدلّوا بما قدّمتموه على أن المكلّف مريد من المكلّف الإيمان مع العلم بأنه يكفر بأولى من أن تستدلوا على أنه لم يرد الإيمان منه ، من حيث علم أنه لا يؤمن ، وأنه يضر نفسه أوليس الوالد لو علم من حال ولده أنه لا يقبل ما أمره به من منافعه بل يضر نفسه كان لا يصح أن يريد منه التعريض ، فيجب أن تقولوا بمثله في القديم تعالى .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 189
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٨٩