الأمر والترغيب واللطف ، حتى لم يدع سببا لو فعله به لكان أقرب إلى فعل الإيمان إلّا وقد فعله ؛ كما لم يدع شيئا يكون معه أقرب إلى ألّا يفعل الكفر إلا وقد فعله به من الزجر والتهديد والوعيد والتخويف وغيرها . وهذا الفعل إن لم يدلّ على إرادة المريد للشئ وكراهته لغيره ، لم يثبت على إرادة المريد دلالة البتّة ؛ أو لا ترى أن غاية ما يدل على أن الوالد يحب صلاح ولده أن يأمره به ، ويرغّبه في فعله ، ويتوصل إلى ذلك بكل ما يكون عنده الولد أقرب إلى ما أراده به من الصلاح . وكلّ ذلك يبين أنه تعالى قد أراد منه فعل الإيمان وفي ذلك صحّة ما ادعيناه من أنه قد عرّضه لمنفعة عظيمة لا ينالها إلا به . فيجب كون تكليفه حسنا وحكمة .
وليس له أن يقول : إذا كان المكلف مع كفره وفسقه لا يستحق الثواب بالطاعة فيجب ألّا يصح كون القديم سبحانه مكلّفا له ومعرّضا ، وذلك لأنهما « 1 » وإن لم يستحقّا الثواب على الطاعة لما أقدما عليه من كفر وفسق ، فقد يصحّ منهما التوصّل إلى استحقاقه ، بأن يتوبا من ذلك . ومتى لم يفعلا التوبة فإنما أتيا من قبل أنفسهما . فحالهما كحال من المعلوم أنه يكفر في أنهما قد عرّضا للثواب .
فإن قيل : إن حسن تكليف من يعلم أنه يكفر لأنه يصحّ أن يتوصّل إلى الصواب ، فيجب أن يحسن من الممكّن له أن يمكّنه ، ويزيح علله ، وإن لم يرد منه الإيمان ، كما يحسن من الواحد منا / أن ينفع نفسه ، وإن لم يرد ذلك ، على ما قاله شيوخنا رحمهم اللّه ، أن الواقف بين الجنة والنار لو منع من إرادة دخولها « 2 » ، مع علمه بحالها لوقع « 3 » منه دخول الجنة حسنا .
قيل له : إن تمكينه تعالى المكلّف قد يقع [ على « 4 » ] وجهين . أحدهما يكون
هامش
( 1 ) أي الكافر والفاسق .
( 2 ) أي دخول الجنة .
( 3 ) في الأصل : « لو وقع » .
( 4 ) زيادة خلا منها الأصل .