تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 19

مساهمون:

ص١٩
واعلم أن الأولى عندي في هذا الباب أن يجوز كون الشيء وقتا وإن لم يكن حادثا ، إذا جرى مجرى الحادث ، حتى يصح أن يوقّت الشيء بتجدد عدم غيره ، كما يصحّ أن يوقت بتجدّد حدوثه ، لأن أحدهما قد حلّ محل الآخر في أن التوقيت معقول ، وفي أن المخاطب يستفيد الغرض بالكلام . فإذا صح ذلك فيهما لم يجز أن يختص أحدهما بأن يجعل وقتا دون الآخر . وكذلك يجب في كل صفة تتجدّد للموصوف ، وإن لم يكن هناك حدوث معنى على وجه . يبيّن ذلك أن الواحد منا لو علم متى يصير زيد مدركا للشئ يصح أن نجعل ذلك وقتا لما لا يعلمه ، بل يكون التوقيت بذلك أظهر من التوقيت بكثير من الحوادث لظهور ما يعلم به . يبين ما قلناه أن أهل اللغة قد وقتوا بتجدد الأحوال ، وإن لم يستدلّوا على الحوادث ، فعلم أن المعتبر في هذا الباب هو بتجدد الأحوال ، رجع بذلك إلى الحدوث أو إلى العدم أو غيره ، ولا فرق أيضا بين تجدد الأحوال وبين انتفاء الأحوال وزوالها إذا كان الحال فيها ظاهرا . ولو صحّ في الباقي أن يتجدد فيه ما يصحّ معه تعليق الحادث به كان لا يمتنع جعل الباقي وقتا ، لكن ذلك يتعذّر فيه إلا إذا كان ذلك الباقي جسما ، فيتغير عليه الأحوال على ما بينّاه . وكل ما يجوز أن يجعل وقتا من حادث وغيره فكذلك يجوز أن يجعل موقّتا ، والعلة فيهما واحدة ، ولذلك يجوز أن يقال : إن فلانا يدرك السواد عند طلوع الشمس ، وتفنى حياته عند غروب الشمس . وإنما جعل الغالب في الأوقات حركات الشمس والقمر لأنه الظاهر لحسّ كل أحد ، والعلم في جميع البلاد ، وإلا فالتوقيت / به وبغيره من الحوادث لا يختلف البتّة . فأما ما يقوله شيوخنا في كتبهم : من أن القديم موجود لم يزل ، وأنّ ( لم يزل ) في حكم الوقت ، فلا يجوز أن يقال : إنه تعالى متكلّم لم يزل إلى سائر ما يتصل بهذا الباب ممّا يجرى في الكتب فليس بناقض لما ذكرناه ، لأن الغرض بذلك ليس هو التوقيت ،
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 19 | القاضي عبد الجبار الهمذاني