يكون سائر من يقتله أو أكثرهم قد كان له أجل وقطعه عليه ، وأن يجب القطع على أنه كان يعيش لولا قتله إيّاه .
قيل له : إن جعله تعالى الأجل أجلا له هو بشرط ألّا يتقدم القتل ، فكأنه تعالى كتب في اللوح المحفوظ بأن زيدا يعيش مائة سنة إن لم يقتل وهو ابن خمسين ، ويكون ذلك أجله ، وإذا قتل وهو ابن خمسين فهذا أجله ، وأنا أعلم أنه سيقتل في هذه الحال لا محالة ، فهذا منه تعالى يوجب أن أجله حال القتل دون الحال الثاني .
ولا يجوز أن يقال : إنّا نتوهّم ارتفاع القتل في أجله إذا كان الحال ما وصفناه ، فأمّا إذا كان القاتل غير عالم بأجل من يقتله فإن قتله لا يصحّ أن يصادف آجالهم مع كثرتهم ، كما لا يجوز مع الجهل أن يصادف إخباره أن يكون صدقا ، لكن ذلك لا يخرج المقتول المعيّن / من أن يجوز فيه الاخترام والتبقية على ما بينّاه . وإن كنا نعلم أنه تعالى لم يجعل له أجلا ثانيا ، مع العلم بأن القاتل سيقتله في هذه الحال قطعا ، وإن لم يمتنع أن يقدّر له أجل بشرط ألّا يتقدم قتل القاتل له .
فإن قيل : خبّرونا عن قاتل قتل خلقا كثيرا ، والمعلوم من حاله أنه لا يتّفق منه قتلهم في الوقت الّذي قد علم تعالى أن الصلاح إماتتهم فيه لولا القتل ، لأن ذلك لا يجوز أن يتّفق من غير معرفة ، كما لا يتفق الصدق في الأمور الكثيرة من غير علم ، أليس يجب أن يقطعوا على أن فيهم من كان يجب أن يعيش لا محالة ، وفي هذا إبطال ما قلتموه في هذا الباب .
قيل له : إن الّذي ذكرناه صحيح إذا كان القول في مقتول معيّن ، فأمّا إذا كان الكلام في الجمع العظيم فقد بيّنا أنه لا يمتنع لو لم يقتلهم القاتل أو القتلة أن يموتوا ببعض الأسباب التي جرت العادة أن يموت لها الخلق العظيم . فأمّا تجويز كونه قاتلا لجميعهم في الوقت الّذي علم تعالى أن الصلاح اخترامهم فيه من دون بعض هذه الأسباب لولا القتل
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 17
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٧