النفع يعادل ما كلّفناه ويوفى عليه ، ولا يقطع على تمكيننا من إيصال ذلك إليه . وليس كذلك حكم القديم تعالى ؛ لأنه بالتكليف عرّفنا الحسن في العقل والقبيح فيه ، وعرّضنا بذلك للنفع العظيم الّذي لا نصل إليه إلا بفعل ما ألزمناه . وهو عالم بأنه يوصّل ذلك إلينا إذا نحن استحققناه . وقد بينّا من قبل أنه سبحانه وإن علم أن المكلّف يكفر فقد صحّ أن يمكّنه ويزيح سائر علله . ويصحّ أن يريد الإيمان منه ، فليس لأحد أن يقول كيف يصح مع علمه بأنه يكفر أن يريد منه الإيمان .
فإن قال : ما الّذي يدلّكم على أنه تعالى قد أراد بالتكليف « 1 » ، والتمكين أن يفعل المكلف الإيمان . دون الكفر وقد مكن منهما على حدّ واحد ؟
قيل له : قد علمنا أنه لا يجوز أن يمكّن المكلف ويجعله بالصفة التي يجب كونه مكلفا معها . لا لغرض ما وإلّا كان عابثا بذلك ، ولا يجوز أن يكون غرضه أن يقوّى دواعيه إلى القبيح بخلق الشهوة فيه ، ولا يكلّفه ؛ لما في ذلك من الإغراء بالمعاصي . فيجب أن يكون مريدا منه بعض ما مكنه منه ، وقد علمنا أن إرادة القبيح قبيحة ، واللّه تعالى منزّه عنها . فيجب كونه تعالى مريدا منه الإيمان الّذي يصل به إلى النفع الّذي لا ينال تفضلا ، فإذا صحّ بما ذكرناه أنه تعالى فعل به التمكين على الوجه الّذي يكون تعريضا للمنافع دون المضارّ ، مع قدرته على أن يجعله تعريضا للمضارّ فيجب كونه مريدا منه الإيمان ، وأن تكون إرادته لذلك منه بمنزلة الترغيب في الحسن ، والتربيب « 2 » له في الحسن على ما بينّاه .
ومما يبيّن ذلك / أنه سبحانه قد فعل به غاية ما يدلّ على أنه مريد للإيمان : من
هامش
( 1 ) في الأصل : « به التكليف » .
( 2 ) التربيب : التربية ، يقال : ربب الصبى : رباه وأبلغه كماله . وكأن المراد : تعويده الحسن حتى ينشأ عليه . والكلمة في الأصل غير منقوطة ، فتحتمل ما أثبت ، وتحتمل ( الترتيب ) . والأقرب أنها محرفة عن ( التزيين ) .