أن يحمله عليه ويلجئه إليه ، فهلّا جاز أن يحسن التعريض لمنفعة ، وإن قبح من الغير أن يعرّضه له .
قيل له : إن الأفعال في الحسن والقبح لا يجب حمل بعضها على بعض ، بل يجب أن يحكم في كل واحد منها بما يقتضيه الباب الّذي / هو منه ؛ ولذلك تحمل شهوة القبيح على إرادته في القبح ، فإذا صحّ ذلك ووجدنا في الشاهد التعريض للمنفعة بالتمكين منها وغيره في حكمه ، فيجب إذا حسن التعريض للنفع أن يحسن التعريض له ، وليس كذلك الحمل على الشيء والإلجاء فيه ، ألا ترى أن تكليف من يعلم أنه يؤمن يحسن ، ولا يجب أن يحسن من الواحد منا حمل الغير على فعل ما يعلم أنه ينتفع به قياسا عليه . ولذلك يحسن من الملجأ الفعل ، ويكون آكد من الواجب ، وإن قبح من الملجئ أن يلجئه إليه ؛ نحو أن يلجئه إلى بذل ماله افتداء من قتله . فيقبح من الملجئ ذلك ، وإن حسن من الملجأ دفعه « 1 » ؛ تحرّزا به من ضرر هو أعظم منه . وإنما قبح ذلك من الملجئ ؛ لأنه بفعله قد عرّض الملجأ للتخلّص من ضرر هو الّذي أوقعه فيه ، وليس كذلك حال المكلّف ، لأنه عرّضه لمنفعة عظيمة لا تنال إلّا بما فعله به . فيجب أن يحسن منه هذا التعريض ، علم من حاله أنه يؤمن أو يكفر ؛ كما قبح ما ذكرناه من الإلجاء ، علم من حال الملجأ أنه يتخلّص مما أوقعه فيه أولا يتخلّص منه ، ولذلك قلنا : إنه يقبح منه أن يقرّب النار من غيره ، فيعرّضه بذلك للهرب . ويفارق تقديم الطعام إليه ليأكله ؛ لأن الأوّل تعريض للتخلص من ضرر أدخله فيه ، والثاني تعريض لنيل منفعة . وقد بينا من قبل أنه لا يجوز أن يقضى بقبح ذلك ؛ لأنه إلزام للعاقل الفعل بغير رضاه ، ودللنا على حسن ذلك في الشاهد والغائب ، وبينّا أن ذلك يوجب قبح التكليف أصلا ، ولا يتعلّق بتكليف من يعلم أنه يكفر ، وبينا أن المستأجر إنما يعتبر رضاه من حيث لا يعلم أن يوصله إليه / من
هامش
( 1 ) أي دفع المال .