تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
تعالى ذلك منه أم لا . وإنما يصير تعالى معرّضا له للثواب بالإرادة التي لولاها وما يجرى مجراها لم يكن بأن يكون معرّضا له للثواب أولى من العقاب ، لأنه قد مكّنه من الأمرين على وجه لا / مزيّة لأحدهما على الآخر ، فلو كان معرّضا له لأجل التمكين لم يكن أحدهما أولى بذلك من الآخر . وليس له أن يقول : إنه بنفس التمكين لا يكون معرّضا للثواب ، وإنما يكون معرضا لذلك متى أكمل عقله ، وعرف الفرق بين الحسن والقبيح ، وجعل مشتهيا للقبيح ، نافر الطبع عن الحسن الواجب . ومتى كان القديم تعالى جاعلا له بهذه الصفة التي تدعو إلى الواجب كان معرضا له للثواب دون العقاب ، وإن تمكّن من الأمرين . فإذن قد ثبت أن ما به يصير معرّضا به يصير القديم تعالى معرّضا . وفي ذلك إبطال ما ذكرتموه . وذلك لأن المكلف لا يتمكّن في الحقيقة من فعل الطاعة على الوجه الّذي يستحقّ به الثواب إلا وحاله ما ذكرته . فتصير جميع هذه الوجوه بمنزلة التمكين له من الوصول إلى ذلك . وكذلك أيضا فالمعلوم أنه لا يستحقّ العقاب بالقبيح إلا إذا كان حاله ما ذكرته ، فصار ذلك في حكم التمكين له من التوصل إلى الأمرين ، وكلّ فعل صحّ وقوعه على وجهين فإنما يقع على أحدهما دون الآخر للإرادة على ما نقوله في الخبر وغيره من الأفعال . ولذلك قلنا : إنه تعالى لو أحيا الخلق لم يكن بذلك منعما ؛ لأن الحياة يصحّ معها المضارّ كما يصحّ معها المنافع ، وإنما يكون منعما بذلك متى فعلها قاصدا بها إلى نفعه . فكذلك إنما يصير تعالى معرّضا للمكلف لأحد الأمرين دون الآخر بالإرادة وما يجرى مجراها من الأمر والترغيب بنصب الأدلة / على أنه يستحق الثواب ، أو بالخبر عن ذلك ، وعن صفة الجنة إلى ما شاكله . وليس لأحد أن يقول : إذا كان وصف المكلف بأنه معرّض للثواب مأخوذا من
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 176 | القاضي عبد الجبار الهمذاني